بقلم: أسامة أبو طالب
إلى من يراهن على انكسارنا أو يظن أن رصاصة غادرة تستطيع أن تعيد تعريف الأردن: أنتم لا تعرفون هذا الوطن.
فالأردن يعيش فينا قبل أن نسكن فيه؛ نحمله في ضمائرنا، وفي أسماء أحبّتنا، وفي تلك الطمأنينة التي تجعل الواحد منّا يأتمن أخاه على بيته وأبنائه، من دون أن يسأله كيف يصلّي.
هنا يمضي المسلم إلى المسجد وهو يعرف أن للكنيسة أهلًا من أهله، ويُقرع جرس الكنيسة في فضاء يعرف الأذان. وبينهما حياة صنعناها معًا؛ بيوت تقاسمت الخبز والفرح والفقد، وأجيال لم تقرأ الأخوّة في الكتب، بل ورثتها وعاشت معناها.
من هنا يجب أن تُقرأ الجريمة الإرهابية التي استهدفت كنيسة حمود في الكرك خلال مراسم تشييع، وأودت بحياة سبعة أردنيين وأصابت العشرات. فهي لم تستهدف كنيسة وحدها، ولم يكن ضحاياها أبناء طائفة بمعزل عن غيرهم؛ بل استهدفت الأردن في أعمق ما يؤمن به: حق الإنسان في أن يعبد الله آمنًا، وأن يعود إلى أسرته سالمًا، وأن يبقى اختلافه مصونًا داخل وطن يجمع الجميع.
وجع الكرك دخل كل بيت أردني، لأن الدم الذي سُفك أردني، ولأن حرمة الكنيسة من حرمة المسجد، ولأن الاعتداء على دار عبادة طعنة في ضمير المجتمع كله.
لكن خطورة الجريمة لا تقف عند حدودها الأمنية والإنسانية؛ فهي تقع في زمن أصبحت فيه الصورة جزءًا من الحرب، والرواية أداة من أدوات الصراع.
قبل أشهر، أجرى الإعلامي الأمريكي تاكر كارلسون من الأردن مقابلات مع شخصيات مسيحية بارزة، من بينها المطران حسام نعوم ورجل الأعمال الأردني سعد المعشر. ووضع أمام جمهوره، المنتمي في جانب كبير منه إلى التيار المحافظ المسيحي الأمريكي، سؤالًا أربك الرواية الإسرائيلية: كيف يعيش المسيحيون في المملكة الأردنية ذات الأغلبية المسلمة بأمن ومشاركة واحترام، بينما يتعرض مسيحيون فلسطينيون ورجال دين ومقدسات لضغوط واعتداءات في الأرض التي نشأت فيها المسيحية؟
لم تمر رسالته بهدوء؛ فقد أثارت ردودًا في وسائل الإعلام الإسرائيلية، ثم تحولت إلى سجال مباشر بينه وبين السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي.
واليوم يبرز سؤال مشروع: هل يمكن أن يحاول خصوم الأردن استغلال جريمة الكرك للطعن في صورته وتشويه حقيقة العيش المشترك فيه؟
الاحتمال وارد في عالم تتلقف فيه الدعاية كل مأساة وتقتطعها من سياقها. لكن المسؤولية تفرض ألّا نحول الاحتمال إلى اتهام بلا دليل، وألّا نسبق التحقيقات. فالروايات المضللة لا تُهزم بالشائعات المقابلة، بل بالحقيقة، وبمؤسسات دولة تكشف الوقائع، وبمجتمع يرفض أن يمنح المجرم ما عجزت رصاصاته عن تحقيقه.
والحقيقة أن جريمة واحدة، مهما بلغت بشاعتها، لا تستطيع محو تاريخ وطن.
المسيحي الأردني ليس ضيفًا ولا مكوّنًا طارئًا ولا رقمًا في خطاب الأقليات؛ هو ابن الأرض وشريك أصيل في بناء الدولة والدفاع عنها. وفي الأردن لم تكن العلاقة بين المسلم والمسيحي اتفاقًا هشًا تفرضه الظروف، بل حياة مشتركة امتزجت فيها الجيرة والعمل والخدمة العامة والتضحيات والانتماء.
أما القيادة الهاشمية، فلم تتعامل مع حماية المقدسات الإسلامية والمسيحية بوصفها موقفًا بروتوكوليًا، بل أمانة دينية وتاريخية. فالوصاية الهاشمية على المقدسات في القدس، والعناية بموقع عماد السيد المسيح «المغطس»، ودعم صيانة المقدسات المسيحية، كلها تعبير عن هوية دولة ترى في احترام الأديان وصون دور العبادة جزءًا من رسالتها.
وحين وصل جلالة الملك عبدالله الثاني إلى الكرك عقب الجريمة، لم يكن حضوره تعزية فحسب، بل رسالة دولة: دم الأردني غالٍ، والعدالة ستأخذ مجراها، ومحاولة شق الصف الوطني ستواجه بحزم الدولة وصلابة المجتمع. وجاءت كلمات سمو ولي العهد الأمير الحسين لتؤكد أن الأردنيين سيبقون صفًا واحدًا في وجه كل من يحاول المساس بأمن الوطن واستقراره.
لقد أراد الإرهاب أن يجعل الكنيسة عنوانًا للانقسام، فتحولت إلى عنوان لوحدة الأردنيين. وأراد أن يزرع الخوف بين المسلمين والمسيحيين، فوجد أمامه وطنًا يعرف أن اختلاف الصلاة لا يعني اختلاف الدم أو المصير.
وللعالم نقول: أخوّتنا أصل من أصول قوتنا، ووحدتنا إرادة تعرف كيف تحمي نفسها. لنا دولة نلتف حولها ليأخذ العدل مجراه، ولنا وعي يُسقط الفتنة، ولنا بأس يردع من يعتدي. ولن نمنح المجرم سلطة على ضمائرنا، ولن نسمح له أن يختار لنا من نحب أو ممن نخاف.
في الأردن نرفع صلواتنا بطرائق مختلفة، لكننا نقف تحت راية واحدة، ونحتمي بدولة واحدة، وننتمي إلى وطن واحد بقيادته الهاشمية.
رحم الله شهداء الكرك، وشفى الجرحى، وحمى أهلنا ودور عبادتنا.
وسيظل الأردن وطنًا إذا تألّم فيه بعضنا، نهض لحمايتهم كلنا.


