كتب : عناد أبو وندي
ضع يدك على قلبك قبل أن تقرأ، فالمسألة لا تتعلق بقانون سير ولا بجدول تشكيلات حكومية،
بل بخلل بسيط في “بوصلة المنطق”!
دعونا نتخيل المشهد: عمّي “أبو أحمد”، الذي أمضى أربعين عاماً يجوب شوارع عمان بسيارته
العمومية، يعرف كل حفرة ورصيف، ويحفظ وجوه الناس وحكاياتهم، يُقال له اليوم بكل بساطة
وحزم: “انتهت رحلتك.. تجاوزت الستين، و لتضمن السلامة العامة عليك أن تسلّم رخصتك
وترتاح في بيتك”. يمتثل الرجل صامتاً، يمسح عرقه، ويذهب لـ يتساءل كيف سيؤمن قوت يومه
في غدٍ بلا عمل.
لكن المفارقة المفاجئة تبدأ حين يفتح “أبو أحمد” التلفاز في المساء، ليرى قراراً بتعيين أو تدوير
مسؤول في منصب قيادي رائع يتجاوز عمره الثمانين عاماً!
هنا بالتحديد، يحق لأي مواطن أن يبتسم بتهكم ويسأل: كيف تكون لياقة أبو أحمد التركيزية
والبدنية غير كافية لقيادة “تكسي” يقل أربعة ركاب، بينما لياقة صاحب المعالي أو العطوفة في
الثمانين كافية جداً لإدارة ملفات وطن وتوجيه قطاعات كاملة يرتبط بها مستقبل ملايين؟
إننا لا نطالب بإلقاء الخبرات والرجالات جانباً، فالكبار بركتنا وتاريخنا، ولكن العدالة والمنطق
الأردني السليم يقولان:
- العدالة في المعيار: إن كان المعيار هو القدرة والياقة، فلماذا يُحرم السائق الكادح من إثبات قدرته بفحص طبي دوري يضمن استمراره في كسب رزقه بالحلال، بينما يُفترض في المسؤول أن قدرته الذهنية والبدنية متجددة تلقائياً ولا تصدأ بالزمن؟
- إعطاء الفرصة للشباب: إذا كانت الحجة في سحب رخص العمومي هي “ضخ دماء جديدة” وتوفير فرص للجيل الشاب، فلماذا تتوقف هذه النظرية تماماً عند أعتاب الكراسي والمناصب العليا، لتتحول بقدرة قادر إلى “تجديد الثقة” بالوجوه ذاتها؟
الحياة يا أصدقائي ليست حلبة لفرض الشروط على البسطاء والتغاضي عنها لدى أصحاب القرار. الأردن مليء بالمرونة والكفاءات، والضمير الصحفي والشارع لا يطلبان إلا مسطرة واحدة تقيس الجميع.. فإما أن نرحم شيبة الكادحين على الطرقات، أو أن نفتح الأبواب للشباب في القمة والقاعدة على حد سواء.
رخصة قيادة التكسي العمومي… رخصة قيادة التكسي العمومي


