كتب : م.خالد باز حدادين
(التواضع الحقيقي يبدأ حين يدرك الإنسان أن ضيق نافذته لا يعني ضيق العالم)
لم يكن البحر الميت، في سنوات طفولتنا الأولى، سوى بقعة زرقاء تلمع من بعيد، تظهر
وتختبئ وراء جبال ماعين الغربية، حسب الطقس وصفاء السماء. نعرف أنه هناك، بعد
الحمّامات المعدنية ، في ذلك المنخفض السحيق المسمى الغور الذي تهبط إليه الأودية والمياه
والحكايات، لكن الجبال كانت تحجب اتساعه عنا، والسحب والضباب يخفيان وجوده أو يؤجلان
ظهور جزء منه؛ فالأشياء العظيمة لا تمنح نفسها دفعةً واحدة، وإنما تُربّي فينا الشوق إليها قبل
أن تكشف لنا عن اتساعها.
كنّا نلمحه من بعض أطراف القرية، ولا سيما من منطقة «المُشْرِفة» التي لم تُسمَّ بهذا الاسم
عبثًا؛ فهي منطقة مرتفعة تشرف على الوديان الممتدة نحو البحر، الذي تطل عليه من الجهة
الأخرى جبال ومدن فلسطين، وكأن هذا الإشراف المطلّ على أخدود الوديان طاقةٌ عالية في
بيت ماعيني، يقف عندها المرء فيرى ما هو أبعد من قدرته على الوصول. فبين الجبال، ومن
خلال تلك الفتحة التي تركتها الطبيعة في جدرانها الصخرية، كان يظهر سطحه لامعًا تحت
الشمس، ثم يختفي إذا تحركنا خطوات قليلة.
وكنّا نسأل: هظاك هو البحر؟
فيجيب أحد الكبار: آه، هظاك البحر الميت.
فننظر إليه طويلًا، ثم يعترض طفل لم يقتنع بحجم السطح الظاهر من بعيد: بس صغير،
والناس بقولوا عنّه كبير!
فيضحك الرجل ويقول: الصغير هو اللي شايفينه… البحر أكبر من كل الجبال اللي مخبّيته.
لم تكن في ماعين تلفزيونات حتى ندرك من خلالها كما أدركنا الان من حديث البحر، أن
الوجود أوسع من أن تحيط به عين واحدة، وأن ما نراه من الأشياء ليس حقيقتها كاملة، بل
الجزء الذي يكشفه لنا موضعنا منها. كنّا نظن أن البحر كلّه محصور بين جبلين، وأنهما لو
انطبقا لاختفى البحر؛ ولم نكن نعرف أن البحر سيبقى ممتدًا حتى لو حُجب عن أبصارنا، وأن
غياب الشيء عن مجال رؤيتنا لا يعني غيابه عن الوجود. فالحكمة أن نعترف بأن وراء حدود
أبصارنا امتدادًا لم نره؛ فالتواضع الحقيقي يبدأ حين يدرك الإنسان أن ضيق نافذته لا يعني
ضيق العالم.
أن الإنسان يفعل ذلك في كل شيء: يرى جانبًا من شخص فيظنه الشخص كلّه، ويعرف فصلًا
من كتاب فيصدر حكمه على كامله، ويرث معتقدًا واحدًا فيحسب أن الحقيقة لم تمرّ بغير بابه.
كان البحر الذي نراه من بعيد لا يشبه برك الوالة، ولا مياه حمّامات ماعين ، ولا سيل وادي
الهلاهلة في مواسم الخير، ولا البركة التاريخية التي في ماعين حين تمتلئ بعد المطر. كان
البحر ساكنًا على نحو يثير الريبة، وبعيدًا على نحو لا تستطيع العين أن تتأكد منه، ولامعًا كأنه
يحتفظ بالشمس فوق سطحه. ولم يكن اسمه يساعدنا على الاطمئنان إليه؛ فكل ما عرفناه من
الماء كان علامةً على الحياة، أما أن يُسمّى بحرٌ كاملٌ «البحر الميت»، فذلك لغز لا تقبله عقول
الأطفال بسهولة.
كنت أسأل أمي: ليش سمّوه ميت؟
فتقول: لأنه ما بعيش فيه سمك.
• ولا سمكة وحدة؟
• ولا سمكة.
• طيب، كيف بحر وما فيه سمك؟
فتجيب بكل هدوء وثقة: هيك حكمة ربنا.
لكن العبارة التي كانت تنهي الأسئلة كانت تفتح في خيالنا أسئلةً أخرى. تخيل بعضنا أن الأسماك
دخلته يومًا فماتت كلها، وأن عظامها ما تزال مكدسة في القاع. وقال آخر إن البحر ميت لأنه لا
يتحرك. وزعم طفل، بثقة مَن عاد لتوّه من رحلة لم يذهب إليها، أن فيه أسماكًا سوداء لا تظهر
إلا في الليل.
سألناه: إنت شفتها؟
قال: لا، بس بعرف.
وكانت كلمة «بعرف» عند الأطفال تكفي، أحيانًا، لتأسيس علم كامل لا يحتاج إلى دليل.
كنا نسمع أن بعض رجال ماعين يذهبون إليه بماشيتهم مشيًا على الأقدام، ويغطسون الأغنام في
مياهه الشديدة الملوحة ـ وكان هذا الطقس اسمه «تبحير الغنم» ـ لتخليص جلودها وصوفها من
الحشرات والطفيليات. لم تكن لديهم الأدوية الحديثة، فكانوا يأخذون العلاج من الطبيعة نفسها،
وإن كان علاجها لاذعًا لا يفرّق كثيرًا بين الحشرة والجرح.
كانوا ينزّلون الغنم على طرف مياه البحر، عند اتصالها بالشط، ويغطسونها واحدةً واحدة. وكان
على الذي يغطسها أن يمسكها بإحكام، لكن البحر لم يكن يطيع الراعي دائمًا؛ فقد كانت مياهه
الثقيلة تتشبث بصوف الخروف الكثيف، ويصبح الحيوان المبلل أثقل من أن يُسحب بسهولة إلى
الشاطئ. وربما انزلقت قدم، أو أفلت حبل، أو أُرهق الخروف قبل أن تمتد إليه اليد، فيسقط
ضحية العلاج الذي جيء به لينقذه. وكنّا، عندما نسمع أن بعض أغنام أهل ماعين غرقت،
يتبادر إلى أذهاننا السؤال الذي لن يُجاب أبدًا: لماذا قد يشفي الشيء نفسه ويقتل؟ ولماذا لا تكفي
النية الطيبة دائمًا لتمنع النهاية السيئة؟ ولماذا لا تخبر الطبيعة الإنسان عن الخطر قبل وقوعه؟
ولماذا يكون هناك خطر أصلًا؟ ولماذا تمنحنا الحياة نتائج ما نفعل، ولا تمنحنا براءة ما نقصد؟
ومع الوقت تعلّم الرعاة من خساراتهم. صاروا يقصّون صوف الأغنام قبل إنزالها إلى الماء،
فيخف حملها، ولا تتشبع أجسادها بالملح الثقيل. وهكذا كانت التجربة تكتب حكمتها. فالمعرفة
في حياة البسطاء لم تكن دائمًا جملةً في كتاب؛ كانت خطأً مؤلمًا يتذكره الناس، ثم يغيّرون ما
يفعلونه كيلا يتكرر.
لكن البحر بقي بعيدًا عنا، نراه من المُشْرِفة ولا نعرفه. وكنا كلما سألنا عنه تضخمت صورته
في خيالنا، حتى صار يجمع كل شيء عجيب: سفنًا، وقوارب، وأسماكًا ميتة، وسباحين لا
يغرقون، وشاطئًا لا ينتهي. ولأننا لم نره، لم يكن أي طفل مضطرًا إلى تصديق الحقائق عن
البحر؛ فلكل طفل منا بحره الميت الذي يراه على قدر خياله.
إلى أن جاء اليوم الذي طلب فيه العم سعادة من سائق باصه الأزرق الكبير، الذي كنا نسمّيه
«أبو زِقْم»، أن يسيّر رحلةً إلى البحرة، تقلّ مَن يرغب ويقدر من أهل ماعين، على أن تكون
الأولوية لمن يسجّل اسمه أولًا.
ومنذ انتشار الخبر، لم نعد نسمّيه «البحر الميت»، بل صار في أحاديثنا «البحرة».نعم البحر
الميت كان يصبح اسمه بحرة عندما تكون هناك رحلة نحوه … لم يتغير البحر، وإنما تغيرت
علاقتنا به؛ فما كان بعيدًا ومهيبًا وراء الجبال أصبح موعدًا ننتظره ومكانًا سنطأ شاطئه بأقدامنا.
ولعل الإنسان لا يسمّي الأشياء بحسب حقيقتها وحدها، بل بحسب المسافة الشعورية التي تفصله
عنها؛ فالاسم الكبير الغامض يليق بما نخشاه أو نجهله من بعيد، أما التصغير فقد يكون لغة
الألفة، نقرّب بها ما نحب حتى يبدو قادرًا على الدخول في قلوبنا. هكذا نزعت الرحلة عن البحر
بعض موته وبعض هيبته؛ فصار «البحرة»، لأن شوقنا إليه جعله أقرب، وكل ما يقترب من
القلب يمنحه القلب اسمًا أكثر حنانًا، ويحاول أن ينفي عنه صفة موته.
…….. يتبع
رحلة ماعينية إلى البحر الميت … رحلة ماعينية إلى البحر الميت …رحلة ماعينية إلى البحر الميت


