كتب عناد أبو وندي
يتسابق الجميع اليوم ونحو نشر الأخبار قبل التأكد منها. بناءً على ذلك، لم يعد التحدي الحقيقي
يكمن في الوصول إلى المعلومة فقط، بل أصبح الوصول إلى الحقيقة هو المحك الفعلي.
يؤكد الكاتب عناد أبو وندي أن قيمة الصحفي لا تقاس بعدد مصادره. بالتالي، تتجلى هذه القيمة
في قدرته على بناء علاقات متينة مع مصادر تصدق حرفيته وتثق به، وتدرك تمامًا أنه يستثمر
كلامها في خدمة الحقيقة فقط.
الصحفي الحقيقي لا يفتش عن مصدر يكرر ما يرغب في سماعه. على العكس من ذلك، هو
يبحث دائمًا عن مصدر يثبت بقوة أمام منصة التدقيق. علاوة على ذلك، لا تعتبر المصداقية
هدية يقدمها المصدر للصحفي. بالتأكيد، هي ثمرة سنوات طويلة من حفظ الأمانة والنزاهة،
والابتعاد عن تحريف الأقوال أو اقتطاعها من سياقها الصحيح.
كيف تبنى الموثوقية الصحفية؟
يفترض كثير من الناس أن المسؤول الكبير أو صاحب المنصب هو المصدر الأكثر مصداقية.
لكن التجربة الصحفية تثبت عكس ذلك تمامًا. بناءً على الممارسة العلمية، يبني الصحفي
الموثوقية عبر التحقق المستمر، ومقارنة الروايات المختلفة، وفحص الوثائق، ومنح الأطراف
كافة حق الرد. لهذه الأسباب، لا يكتفي الصحفي المحترف برواية مصدر واحد مهما بلغت
مكانته؛ لأن الحقيقة تظل أوسع وأكبر من سردية واحدة.
تعتبر الثقة رأس المال الحقيقي للصحفي. بناءً على هذا المبدأ، عندما يحافظ الصحفي على
وعده، ويحمي مصادره التي تستحق الحماية، ولا يكشف الأسرار إلا ضمن حدود القانون
والمصلحة العامة، فهو يبني رصيدًا أخلاقيًا لا يشترى بالمال. ونتيجة لذلك، يتلقى المكالمات
فور وقوع الأحداث، وتفتح الأبواب أمامه في أحلك الظروف.
من ناحية أخرى، فإن الصحفي الذي يركض خلف السبق على حساب الدقة، قد يكسب عنوانًا
براقًا ليوم واحد فقط. ومع ذلك، فهو يخسر ثقة غالية قد لا يستعيدها طوال حياته المهنية.
بين عاصفة السبق وهدوء المصداقية
يشكل السبق الصحفي إنجازًا مميزًا، لكنه يتحول إلى عبء ثقيل عندما يعتمد على معلومات
ناقصة. ينشر الخبر الخاطئ بسرعة كبيرة بين الناس، غير أن التصحيح المتأخر لا يمحو أثره
السيئ دائمًا. بناءً عليه، يدرك الصحفي المسؤول أن التريث لدقائق معدودة بهدف التحقق،
أصلح وأشرف من الاعتذار لأيام طويلة بسبب نشر معلومات مضللة.
ليست الصحافة وسيلة لصناعة الضجيج الفارغ، بل هي أداة لبناء الوعي الإنساني. كل خبر
منشور يترك أثرًا ملموسًا في حياة الأفراد، وربما يبني سمعة شخص أو يدمرها تمامًا. لهذا
السبب، يرى عناد أبو وندي أن الصحفي يصنع مصداقية مصادره حين يبني مصداقيته
الشخصية أولاً، ويؤسس بذلك لمؤسسة إعلامية يحترمها الجمهور قبل أن يقرأها.
في النهاية، تظل القاعدة الذهبية حاضرة ولا تسقط بالتقادم: الصحفي لا يرث المصداقية من
مصادره، بل الصحفي يصنع مصداقية مصادره ويمنحها القيمة الحقيقية عندما يمررها عبر
ميزان الحقيقة.


