كتب ماجد شاهين
أَكَلْت ُ ” حُصْرُما ً ” كثيرا ً من عند جيران ٍ و أصدقاء ، في زمن اليفاعة والشباب .. لكنّي لم أسرق عنبا ً من دالية ٍ و لم أقطف وردة ً من بستان أحد ٍ !
كنت وما أزال أحبّ الرمّان الحامض و التفّاح الحامض ، و واضبت على شرائهما من عند العم الراحل ” جريس أبو الزلف _ أبي سليم ” في متجره في السوق _ المربّعة ، بوسط مادبا .
لم أكن أحبّ ” الطعم الحامض ” لأنّي اكتفيت من الفاكهة الحلوة أو الحلوَيَات ، بل لأنّ لذَة ً كبيرة كانت تمنحني إيّاها فاكهة السوق بطعمها الحامض ِ .
كنت أفعل ذلك في العقد الثالث من عمري .
أمّا الآن ، و مع اقتراب انتهاء العقد السابع من العمر ، لم تعد هناك فاكهة في المدينة .
لا حامضة ولا حلوة ولا حتى مربّعة في السوق ِ .
لا جيران ، كالذين كانوا ، نرمي لهم المرحبا و تملأ البهجة وجوهنا ،
و لا ساحة فارغة نقطعها من عند دكانتنا ” المطعم العتيق ” مقابل كنيسة الروم إلى دارنا في حارة أبي دقر الخمّاش والمسافة لا تزيد عن مائتي متر .
و لم يعد شارع طلال ” الملك طلال رحمه الله ” حاضرا ً برائحته و دكاكينه و ذاكرته ،
كنت عشت هناك في شارع طلال و جواره ، منذ ولادتي و إلى منتصف تسعينيّات القرن الفارط ، نحو أربعين سنة ، عشتها بالمسكن أو بعمل مع العائلة .
رحل أهل الشارع الطيبون
رحلوا ، كلّهم ، كلّ الذين احتلّوا الذاكرة و رسخوا في الوجدان ،
رحلوا ، كنت ُ قلت عن المكان كلاماً كثيرا ً وعلى مدى ما يزيد عن أربعين سنة في الكتابة
والاسترجاع .
رحلوا ،
الآن ، لا ” تفاح ٌ حامض ٌ ” و لا ملامح المربّعة ولا حتى وجه ” حنّا زاده ” و لا قهوته و بزره وبوابيره ولا ” سمعان السرياني ” ولا مكواه ولا شيّالات بنطاله و أناقته .
الآن ، السوق لا نعرفها .
المدينة لا نعرفها
الدكاكين لا نعرفها
والأرصفة ، حتى الأرصفة هناك في شارع طلال والسوق ، باتت ضيّقة علينا !
رحم الله الراحلين من أوّل الشارع إلى آخره وتفرّعاته ، و أعرفهم جميعا ً باللون والاسم و كتبتهم في دفاتري مرّات عديدة !
لا أريد تفاحاً حامضا ً و لكنّي أسأل :
أين مادبا وسوقها و أرصفتها و أين ملامحها العتيقة ؟
5 _ 9 _ 2026 عرض أقل


