كتب أمجد المجالي
ما قبل عام 1921
من الضروري أن نمتلك الشجاعة لطرح طال تأجيله ، هل تعكس السردية الرسمية للتاريخ
الأردني ” تاريخ الأردن كاملا” ( كأرض وسكان منذ آلاف السنيين )، أم أنها تبدأ عملياً من
تأسيس إمارة شرق الأردن عام 1921 (فيصبح مسماها سردية تاريخ الدولة الأردنية).
أن اختزال سردية و تاريخ الأردن في تأسيس الدولة الحديثة ظلم للتاريخ وللرجال الذين صنعوا
أحداثه قبل قيام الإمارة، وإذا ذهبنا مخطئين مع هذا فأننا من حيث لا نعلم أو نعلم سنؤيد ما
يذهب له الكيان الصهيوني بمقولته “أن الأردن هو جزء من أرض إسرائيل” ، فـ الأردن لم
يكن فراغاً سياسياً و اجتماعيا ينتظر تأسس الدولة.
أن الأردنيون لم يبدأ وجودهم الوطني عام 1921 ويكفي أن نستذكر ثورة الكرك عام 1910
والتي قادها قدر المجالي وهبة الشوبك، ومواقف رجالات الكرك والسلط وعجلون ومعان
والبادية ، لندرك أنْ هناك مجتمعا له أرادته ومصالحه وقياداته ومقاومته قبل تأسيس الإمارة.
ثم جاءت الدولة الحديثة التي شهدت ثورة أبن الشريدة في عجلون وأبن عدوان في البلقاء ، كما
كان الأردنيون شركاء أساسيين في بناء الدولة وحمايتها ، وبرز رجال تركوا بصماتهم في
تاريخها من عودة أبوتايه وهزاع المجالي ووصفي التل و كايد مفلح العبيدات وعبدالله التل
وكليب الشريدة وأيوب فاخر و عودة القسوس وماجد العدوان وعلي خلقي الشرايري وحسين
الطراونة وصايل الشهوان وغيرهم وهم كثر.
أهمية مراجعة التاريخ
والقول بذلك لاينقص بأي شكل من الدور الهاشمي في تأسيس الدولة الأردنية الحديثة وترسيخ
استقلالها ومؤسساتها، ولكن إحترام الهاشميين لا يعني أن نبدأ تاريخ الأردن بهم ، كما أن
الاعتزاز بالدولة لا يبرر إسقاط ما سبقها من الذاكرة الوطنية.
ومن هنا فأنا أقترح تشكيل لجنة مستقلة من مؤرخين وباحثين مشهود لهم بالإنتماء والأمانة
العلمية والعمق والمعرفة بتاريخ الأردن بعيداً عن الانتقائية والتوظيف السياسي والتسحيج،
تتولى مراجعة الوثائق وإعادة كتابة تاريخ الأردن كتابة علمية شاملة، تاريخ يبدأ من جذور
المجتمع الأردني، يمر بمراحله وتحولاته وثوراته ورجالاته، ثم يتناول تأسيس الإمارة وقيام
المملكة وتطور الدولة، بحيث لا يهمش رجل ولا تطمس ثورة ولا يضخم دور على حساب دور
آخر ، والمطلوب ليس صناعة تاريخ جديد ، وإنما إستعادة التاريخ كما كان بالوثيقة والشهادة
والبحث العلمي.
الهوية الوطنية والأبعاد التاريخية
المطلوب إذن ليس هدم السردية الرسمية ،إنما مراجعتها وتوسيعها وتصحيح اختلالاتها، بحيث
يصبح تأسيس الإمارة فصلاً مهماً من تاريخ الأردن، لا نقطة الصفر الذي بدأ منها تاريخ
الأردن.
ومن هنا علينا أن نعيد كتابة تاريخنا بجرأة ، والتأكيد أن التاريخ ليس ملكا للسلطة ، ولا ينبغي
أن يكون أسير رواية واحدة.
الأردن أقدم من دولته الحديثة، والأردنيون أقدم من مؤسساتها ، وعام 1921 لم يكن ولادة
الأردن ، بل كان بداية فصل جديد في تاريخ وطن كان قائماً برجاله ومجتمعه وذاكرته قبل
ذلك.
وهذه ليست دعوى ضد الدولة أو الهاشميين الذين نقدر دورهم ، بل دعوة إلى شيء أكثر أهمية:
أن يكون للأردن تاريخ كامل ، لا تاريخ منتقص.


