بقلم: فلاح القيسي
لم يعد تحالف مكة مجرد اتفاق عابر في المشهد السياسي الإقليمي، بعد أن وقّعت السعودية وتركيا وباكستان في 7 آب 2026 اتفاقية للدفاع المشترك، تقوم على اعتبار أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث هجوما عليها جميعا وتعزيز التعاون الدفاعي والردع المشترك.
وهنا يبرز السؤال الأردني: أين يقف الأردن من هذا التحالف؟
الأردن، بحكم موقعه الجغرافي ودوره السياسي وعلاقاته المتوازنة مع أطراف المنطقة، لا ينظر إلى التحالفات بمنطق الاصطفاف السريع، وإنما بمنطق المصلحة الوطنية وحماية الأمن والاستقرار. فالأردن دولة لها حساباتها، ولها تجربتها الطويلة في التعامل مع الأزمات الإقليمية، وتدرك أن الأمن الوطني لا يُبنى بالشعارات، وإنما بالشراكات التي تحفظ القرار والسيادة والمصلحة.
والتحالف الثلاثي يجمع بين عناصر قوة واضحة؛ فالسعودية تمتلك الثقل الاقتصادي والسياسي، وتركيا تمتلك قوة عسكرية وصناعية وموقعاً استراتيجيا مهما، بينما تمثل باكستان قوة عسكرية ونووية. وهذا التكامل هو الذي يمنح الاتفاقية وزنا إقليميا كبيرا.
لكن السؤال الأهم: هل دخول أي دولة إلى مثل هذا التحالف مجاني؟
بالتأكيد لا. فكل تحالف له أثمانه والتزاماته وحساباته، والسعودية تقدم ثقلها الاقتصادي، وتركيا تقدم قدراتها العسكرية والصناعية، وباكستان تقدم ثقلا عسكريا واستراتيجيا استثنائيا. أما الأردن، فإن أي خطوة باتجاه تحالفات جديدة يجب أن تقاس أولا بما تحققه للأمن الوطني الأردني، وبما يحافظ على استقلالية القرار الأردني وعلاقاته العربية والدولية.
الأردن ليس بعيدا عن المشهد، لكنه أيضاً ليس مضطراً إلى الاستعجال. فالسياسة الأردنية تعرف متى تقترب، ومتى تنتظر، ومتى تقول نعم، ومتى يكون الصمت أكثر حكمة من الكلام.
ويبقى الأهم أن تكون أي ترتيبات أمنية إقليمية جسرا للأمن والاستقرار، لا بابا لصراعات جديدة. والأردن، بقيادته الهاشمية، سيظل ينظر إلى المنطقة بعين الدولة التي تريد الأمن للجميع، وتحمي مصالحها، وتتمسك بثوابتها، ولا تقبل أن يكون أمنها أو قرارها الوطني ورقة في حسابات الآخرين.
الأردن لا يبحث عن تحالفات من أجل التحالف، بل عن شراكات تعزز أمنه، وتصون مصالحه، وتحفظ مكانته.


