د. عبدالله الطوالبة
ثار مشايخ الأزهر غاضبين سنة 1905 ضد التوجه لبناء جامعة القاهرة، بدعوى عدم جواز تعليم أبناء البلاد غير العلوم الشرعية وأن الجامعة المنوي إنشاؤها ستعلم الفسق والفجور. وفي مصر أيضًا، صدر فرمان إلغاء تجارة الرقيق وتحرير العبيد عام 1877. ووقعت مصر إتفاقية إلغاء الرق والعبودية عام 1926، لكن بعض المشايخ ذاتهم اعترضوا على القرار لأنه برأيهم تغيير لشريعة الله باتفاقيات بشرية وقوانين وضعية. وبدعوى نشرها للفسق والفجور والفكر الكافر، وقف الأزهر ضد ادخال المطبعة إلى مصر، بعد حملة نابليون على أرض الكنانة سنة 1798 وحرموا استخدامها.
ومن مصر إلى أوروبا في مراحل الظلام، وهيمنة الفكر الديني. هناك، وكما يخبرنا برتراند راسل، اعتقد الناس في تلك الأزمنة أن الأمراض عقاب يوقعه الله على البشر بسبب ارتكابهم المعاصي. وكانوا ينسبون تلك الأمراض في الأغلب إلى فعل الشياطين، ومن الممكن الشفاء منها عن طريق شفاعة القديسين إما بشخوصهم أو عن طريق ما يخلفونه من بقايا مقدسة. ويمكن الشفاء أيضًا، عن طريق الصلاة والحج إلى بيت المقدس أو طرد الشياطين والأرواح النجسة من الجسد. وما أشبه يوم بعض ديارنا العربية بأمس أوروبا في أنماط تفكير من هذا النوع!!!
وقد وجدت هذه الممارسات دعم الكنيسة وتأييدها، حيث ذهب القديس أوغسطين “إلى أن جميع أمراض المسيحيين ترجع إلى هذه الشياطين”.
وفي انجلترا، ساد اعتقادٌ بأن الملك إذا لمس إنسانًا مصابًا بمرض أسموه “شر الملوك” شفاه. وزعموا أن الملك القديس تشارلز الثاني شفا وحده عن طريق اللمس نحو مائة ألف شخص. ونشر الجراح الخاص بجلالته عن ستين ألف حالة شفاء من هذا القبيل. وذكر جراح آخر أنه رأى بعيني رأسه مئات من حالات الشفاء، التي ترجع إلى لمسة الملك وأن حالات كثيرة تتجاوز قدرات أمهر الجراحين على الشفاء.
وفي سنة 1680 اجتاح الطاعون روما، وقيل حينها إن السبب غضب القديس سباستيان، الذي تجاهله الناس وأهملوه دون وجه حق. وبعد انقشاع الوباء، ربطوا ذلك بإقامة نصب تذكاري للقديس إياه. قبل ذلك، وعلى وجه التحديد سنة 1522، اعتقد الرومان أن الطاعون الذي اجتاح روما يرجع إلى غضب الشياطين. وللتخلص من الوباء، لجأوا إلى تقديم ثور كأضحية للإله جوبيتر في مجمع الالهة. وبعد أن تبين لهم عدم جدوى ذلك، نظموا المواكب للتزلف إلى العذراء واسترضاء القديسين. وتسبب تفشي الطاعون آنذاك بانتشار الخزعبلات، من مختلف الأنواع في أماكن عدة. ومن أكثر تلك الخزعبلات لفتًا للنظر الإقدام على قتل اليهود كوسيلة مفضلة لتهدئة غضب الله. ففي اقليم بافاريا، قُتل اثنا عشر ألف يهودي، وثلاثة آلاف في إيرفورت، وحُرق ألفان في ستراسبورغ. وكان البابا، هو الوحيد الذي اعترض على هذه الإبادة الجماعية.
وبعد اكتشاف الدورة الدموية الصغرى على يد هارفي، حظرت الجامعات الإسبانية تدريسها. واستمرت في حظر تدريسها حتى نهاية القرن الثامن عشر. وتجدر الإشارة إلى أن مكتشف الدورة الدموية الكبرى، هو العالم ابن النفيس.
أما اكتشاف التلقيح ضد الجدري، فقد أثار عاصفة من اعتراض رجال الدين. وقد تصدت جامعة السوربون للهجوم اللاهوتي على التلقيح. في سياق رفض التلقيح، نشر قسيس أنجليكاني موعظة جاء فيها إن قروح أيوب ترجع إلى تلقيحه من قِبَل الشيطان. من جهتهم، أعد كثيرون من قساوسة اسكتلندا بيانًا قالو فيه “إن التلقيح محاولة لإصابة حكم الله وتقديره بالإرتباك”. وذهب رجال الإكليروس إلى أن التطعيم ينطوي على تحدٍّ للسماء، بل وتحدٍّ لإرادة الله. وحتى وقت متأخر من سنة 1885، حيث اجتاح الجدري مدينة مونتريال في كندا، قاوم الكاثوليك ورجال الإكليروس التطعيم ضد الوباء. وقال أحد القساوسة:”إذا كنا قد ابتلينا بمرض الجدري، فإن ذلك يرجع إلى ما مارسناه من عربدة في الشتاء الماضي، فقد انغمسنا في شهوات الجسد لدرجة أثارت غضب الله”. وما يزال كلام كهذا يتردد في مجتمعاتنا العربية، حتى يوم الناس هذا في القرن الحادي والعشرين!
وكان اكتشاف التخدير مناسبة أخرى أثارت غضب اللاهوتيين. ففي عام 1847، اقترح سيمبسون استخدام التخدير لتخفيف آلام الولادة. لكن رجال الدين رفضوا ذلك، منطلقين من الإصحاح الثالث في سفر التكوين التوراتي آية 16، حيث يقول الله لحواء بحسبهم:”بالوجع تلدين أولادك…”. وتساءلوا باستنكار: كيف يتحقق كلام الله عندما تكون المرأة تحت مخدر الكلورفورم؟!
لكن علم الطب لم ييأس، وواصل تقدمه وكشوفاته، غير آبه بخزعبلات رجال الدين وتفكيرهم القروسطي الساذج، فأثمر ابداعات أسعدت الإنسان على صعيدي تحسن صحته وإطالة عمره.
خلاصة: بدأت أوروبا ترتقي في سلم النهوض والتقدم، بعد تخليها عن هذه الخزعبلات والأرضية التي عليها نبتت وإحالتها إلى متحف التاريخ، وراحت تتألق في فضاءات العقل والإبداع والإبتكار.


