كتب : سالم الفلاحات
تمثلت مطالبة الأردنيين بالوحدة السورية والاستقلال، ورفض وعد بلفور والهجرة الصهيونية
في أجلى مظاهرها في المقابلات التي أجرتها لجنة كنغ – كراين (٧٨) (King ‘ Crane) مع
أهالي سوريا عام ١٩١٩. وسميت هذه اللجنة بهذا الاسم نسبة إلى هنري كنغ Henry King
رئيس الجامعة البروتستانتية في اوهايو والمدير الديني للجيش الأميركي في الحرب العالمية
الأولى وشارل كرين Charles Crane نائب رئيس اللجنة الملكية الأميركية
لجنة كنغ – كراين 1919: استطلاع الإرادة الوطنية للأردنيين
استطلعت لجنة كنغ – كراين آراء السوريين تجاه القضايا القومية واستمعت الى إفادات وجهاء
وشيوخ عشائر البلقاء والسلط وعباد وبني صخر ومادبا والكرك وعجلون. فكانت الكلمة واحدة،
والهدف واحد.
وانظر قوة الشعور القومي من خلال الحوار الذي دار بين اللجنة وبعض الأردنيين في
الصورتين التاليتين : ففي إحدى المقابلات ( مع نمر العريق من بلدة عيرا / السلط ) أحد شيوخ
بني عباد مع لجنة كنغ – كراين دار الحديث التالي:
سؤال : من أجبركم على الحضور.؟
جواب : أجبرتنا عاطفتنا العربية، وحبنا لمجد قومنا، ولو كانت المسافة أضعاف ذلك لما
تأخرنا، وإننا مستعدون لفداء مالنا وأرواحنا وأولادنا في سبيل استقلالنا.
س: من أين تأخذون الأموال؟
ج : من المحل الذي يريده ابو غازي (فيصل بن الحسين).
س: وإذا لم يمكنه تدارك الأموال اللازمة؟
ج : نبيع كل ما نملكه ونقدمه له.
س: وإذا لم يكن الاستقلال؟
ج : نطلبه بهذا وأشار إلى السيف.
شهادات شيوخ العشائر ونادي البلقاء أمام اللجنة الأمريكانية
وفي مقابلة أخرى تمت بين أعضاء نادي البلقاء ولجنة كنغ – كراين كان التعبير فيها من النظرة
القومية للأردنيين أكثر وضوحاً. وجاء فيها :
س- ما هي حقوق الأقلية عندكم؟
ج – لا فرق بين مسلم ومسيحي عندنا. وللأقلية ما للأكثرية من الحقوق في بلادنا.
س- نعرف ذلك، ولكن بماذا تثبتونه؟
ج – إن أعضاء مجلس الإدارة مثلًا متساوون في العدد (التمثيل)، فعندنا في السلط في مجلس الإدارة مسيحي، محافظة على حقوق الأقلية.
س- هل تريدون انتداب دولة؟
ج – لا نريد ذلك مطلقاً، ونحن قادرون على إدارة بلادنا، وعندنا رجال أكفاء لهذا العمل.
س- لماذا ترفضون المهاجرة الصهيونية؟
ج – لأنها تضر بفلسطين جارتنا وشقيقتنا في العروبة، يسوءُنا ما يسوءُها، ولأن الصهيونيين
يحاولون الاستيلاء على البلاد.. أما اليهود القاطنون في هذه البلاد قبلا فهم إخواننا.
س- هل أنتم الجمعية الإسلامية المسيحية؟
ج – إننا وإن كنا لا نُسَمَّى بهذا الاسم، ولكن نادينا (نادي البلقاء) إسلامي مسيحي، ها اننا نقدم
لكم عضوين من أعضاء نادينا وهما مسيحيان.
وأصر أهل الكرك على المطالب نفسها وخرجوا بعد مقابلة لجنة كنغ – كراين وهم يهتفون
“فليحيا الاستقلال العربي ”
هذا ولم يطلب أحد من الوفود الذين قابلتهم لجنة كنغ – كراين الحماية الا النزر اليسير ما كان
من وفد مادبا الذي رحب بالحماية الإنجليزية مشترطاً على اللجنة الأخذ بعين الاعتبار المطالب
الوطنية (٨٢).
لقد لاحظت لجنة كنغ – كراين أن الشعور القومي ضد التقسيم، وضد الهجرة الصهيونية كان
عاماً في جميع أنحاء سوريا. وقد أذهل هذا الموقف القائمين على اللجنة فعندما سئل تشارلز
كرين كيف وجدت اهل سوريا ؟
قال: ماذا وجدت !!حتى الحجارة في سوريا لو كانت تنطق لقالت بالاستقلال والحرية ، لم أرَ
اجماعا كذلك الاجماع المدهش.
واستمر الرفض السوري ومن بينهم الأردنيون لكل مشاريع التقسيم طيلة الحكم العربي. ولما
أعلن الحاكم العسكري في فلسطين الجنرال بولز أمام أعيان فلسطين في القدس بتاريخ
١٩٢٠/٢/٢٠ فصل فلسطين عن سوريا لجعلها وطناً قوميا لليهود سارع الأردنيون بتوجيه
المذكرة التاريخية لأعيان شرق الأردن للجنرال بولز عام 1920
مذكرة إلى الجنرال بولز بتاريخ ١٩٢٠/٥/٨ يستنكرون هذا الأمر، وقد احتوت المذكرة المبادئ
التالية :
1- فلسطين عزيزة علينا ولذلك لا نرضى بوجه من الوجوه أن يغتصبها الدخلاء
2- فلسطين مقدسة لدينا ولذلك لا يمكننا أن نغض الطرف عما يحيق بها من الأخطار.
3إن الخطر الصهيوني الذي يهدد كيان فلسطين من شأنه أن يهدد كيان الأمة العربية جمعاء
4 لقد أثبتت المظاهرات التي قام بها أبناء الوطن في جميع أنحاء البلاد والاحتجاجات
الشديدة التي رفعت اليكم وإلى المقامات الأوروبية في ظروف مختلفة أن الأمة العربية ترفض
الهجرة الصهيونية وفكرة الوطن القومي رفضاً باتاً. وتأبى أن تغدو فلسطين فريسة المطامع
الأشعبية، وأنها مستعدة للدفاع عن هذه الوديعة المقدسة، وديعة الآباء والأجداد بما لديها من
حول وقوة. فليس من العدل أن تضربوا بمطالبها ورغباتها عرض الحائط.
ووقع على هذه المذكرة كل من / عودة ابو تايه (الحويطات)، محمد بن جازي (الحويطات)،
حسين الطراونة (الكرك)، غيث بن هدايا (الحجايا)، سليم ابو دميكَ (بني عطية)، سليمان بن
طريف (بني حميدة)،حمد بن حاتم (بني حميدة)، سالم النسعة (معان)، حامد الشراري (معان).
5 لا يسعنا نحن عربان شرق الأردن الا أن نركض عند مسيس الحاجة لنصرة إخواننا
الفلسطينيين الذين يئنون تحت عبء الإستعمار الصهيوني الفظيع لأنهم إخواننا في الدين والمبدأ
واللغة والقومية. تضاف لما قبلها
*من كتاب سعادة د محمد عبد القادر الخريسات بتصرف .


