كتب : عماد عبدالقادر عمرو
انتخابات 2026: بداية النقاش وليست نهايته
مع اقتراب موعد انتخابات الغرف التجارية والصناعية في الأردن، تنشغل الأوساط الاقتصادية
والقطاع الخاص بالمرشحين والبرامج والتحالفات وفرص المنافسة، وهذا أمر طبيعي في أي
استحقاق انتخابي. لكن الانتخابات، مهما كانت أهميتها، لا ينبغي أن تكون نهاية النقاش، بل
بدايته. فالسؤال الأهم ليس فقط من سيفوز ومن سيشكل مجالس الإدارة، وإنما أيضاً: هل الإطار
التشريعي الذي ستعمل في ظله هذه المجالس ما زال قادراً على مواكبة حجم الدور الاقتصادي
الذي تقوم به الغرف، وحجم الأموال والموارد التي تديرها؟
وهذا السؤال لا يستهدف مجلساً بعينه، ولا مرشحاً، ولا شخصاً، ولا يرتبط بنتيجة انتخابية.
الحديث هنا عن المؤسسة نفسها وعن قواعد الحوكمة التي يجب أن تحكم عملها، بصرف النظر
عمن يجلس في مقعد المسؤولية اليوم أو غداً.
التشريعات الحالية والرقابة الداخلية.. هل تكفي؟
ومن المهم، قبل طرح أي إصلاح، تصحيح فكرة قد تكون شائعة في النقاش العام، وهي أن
الغرف التجارية والصناعية تعمل من دون رقابة. هذا ليس دقيقاً من الناحية القانونية.
فالتشريعات النافذة تتضمن آليات للرقابة الداخلية، ودوراً للهيئات العامة، وإقرار الموازنات
والحسابات الختامية والتقارير السنوية، وتعيين مدقق قانوني، إلى جانب الرقابة الإدارية والمالية
على مجالس الإدارة.
لكن القضية التي تستحق النقاش الجدي هي ما إذا كانت هذه المنظومة كافية في صورتها
الحالية، وهل توفر مستوى الرقابة الخارجية والإفصاح المالي الذي يتناسب مع طبيعة هذه
المؤسسات ودورها والموارد التي تديرها، أم أن الوقت أصبح مناسباً لتطوير التشريعات بما
يضع قواعد أكثر وضوحاً للتدقيق والإفصاح والمساءلة.
فالأساس هنا ليس التشكيك في نزاهة الأشخاص، وإنما بناء نظام لا يعتمد على نزاهة لأشخاص
وحدها.
المعادلة المتوازنة: استقلال مهني مقابل إفصاح مالي
الغرف التجارية والصناعية ليست شركات خاصة بالمعنى التقليدي، وليست أيضاً دوائر
حكومية. هي مؤسسات أنشأها القانون، تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي
والإداري، وتمارس اختصاصات ذات صلة مباشرة بالقطاع التجاري والصناعي والاقتصاد
الوطني، وتتعامل مع موارد وأموال وتعاقدات وموجودات وقرارات مالية. وهذه الطبيعة
القانونية الخاصة تفرض، في رأيي، معادلة واضحة: استقلال في التمثيل والقرار المهني، يقابله
وضوح في إدارة المال ورقابة مهنية مستقلة وإفصاح حقيقي.
التجربة الفرنسية: الجمع بين الانتخاب والحوكمة المالية
والتجربة الفرنسية تقدم مثالاً يستحق الدراسة، ليس بهدف نسخها حرفياً، وإنما لفهم كيفية الجمع
بين الانتخاب والاستقلال من جهة، والرقابة المالية من جهة أخرى.
فغرف التجارة والصناعة الفرنسية تعمل ضمن شبكة مؤسسات عامة، وتضم مجالس منتخبة،
لكنها في الوقت نفسه تخضع لنظام واضح من الوصاية الإدارية والمالية، مع قواعد محددة
للموازنات والحسابات والاقتراض وبعض القرارات المالية، إلى جانب التدقيق ونشر البيانات
المالية وفق قواعد محاسبية محددة. كما تتيح التشريعات الفرنسية للجهات الرقابية اتخاذ
إجراءات تصحيحية في حالات الاختلال المالي أو عدم اعتماد الموازنات أو وجود مشكلات
جدية في الإدارة المالية.
والأهم في هذه التجربة أن الانتخاب لم يُعتبر بديلاً عن الرقابة.
شرعية صندوق الانتخاب لا تمنح حصانة مالية
وهذه نقطة جوهرية في أي نقاش حول إصلاح الغرف في الأردن. فالمجلس المنتخب يستمد
شرعيته من الهيئة الناخبة، لكنه لا يستمد منها حصانة مالية. والناخب يمنح ممثليه الثقة لإدارة
شؤون المؤسسة وتمثيل القطاع، لكنه لا يمنحهم حق إدارة المال بعيداً عن قواعد التدقيق
والإفصاح.
في الأردن، توجد بالفعل رقابة داخلية وآليات قانونية تتعلق بالموازنات والحسابات الختامية
والمدقق القانوني، سواء في الغرف التجارية أو غرف الصناعة. لكن المرحلة المقبلة تحتاج إلى
الانتقال من مجرد وجود أدوات رقابية إلى بناء منظومة أكثر وضوحاً وتكاملاً في مجال
الرقابة الخارجية والإفصاح المالي.
دور ديوان المحاسبة وإعادة النظر في المساحة القانونية
وهنا يبرز دور ديوان المحاسبة، مع ضرورة التعامل مع المسألة بدقة قانونية بعيداً عن
الشعارات. فالغرف التجارية والصناعية ليست مدرجة بصورة تلقائية ضمن الجهات التي
يشملها اختصاص الديوان بذات الطريقة التي تشمل بها الوزارات والدوائر الحكومية
والمؤسسات العامة والبلديات. إلا أن قانون ديوان المحاسبة يتيح لمجلس الوزراء، في حالات
محددة، تكليف الديوان بتدقيق جهة أخرى إذا كانت أموالها تأخذ صفة الأموال العامة أو كان
تحصيلها يتم استناداً إلى القانون.
وهذه المساحة القانونية تحديداً تستحق إعادة النظر التشريعي، ليس بالضرورة من خلال
إخضاع الغرف للإدارة الحكومية المباشرة، وإنما من خلال وضع معايير واضحة لا تترك
مسألة الرقابة على الأموال ذات الصلة بالنصوص القانونية لاجتهادات متفرقة.
التدقيق المالي لحماية المؤسسات لا للاتهام
كما ينبغي التمييز بين الرقابة المالية وبين مكافحة الفساد. فالتدقيق المالي ليس اتهاماً بالفساد،
كما أن وجود مدقق أو جهة رقابية لا يعني مسبقاً وجود مخالفة. وظيفة الرقابة في الأصل هي
التأكد من سلامة الإجراءات، وصحة الحسابات، وتوثيق الإيرادات والنفقات، وحماية المال،
ومنع تضارب المصالح، واكتشاف مواطن الخلل قبل أن تتحول إلى مشكلة أكبر.
أما هيئة النزاهة ومكافحة الفساد، فلها اختصاص مختلف يتعلق بمنظومة النزاهة والوقاية من
الفساد والتحقيق في الوقائع التي تدخل ضمن اختصاصها. وبالتالي فإن تطوير الرقابة على
الغرف لا يعني وضع جهة واحدة فوق المؤسسة للقيام بكل شيء، وإنما بناء منظومة متكاملة
يعرف فيها كل طرف اختصاصه ومسؤوليته.
حزمة إصلاحات ملحة: الشفافية وحظر تضارب المصالح
ومن الإصلاحات التي تستحق الدراسة أيضاً إلزام الغرف بنشر موازناتها السنوية وحساباتها
الختامية وتقارير التدقيق ونتائجها بصورة واضحة ومتاحة للجمهور والهيئات العامة وأصحاب
المصلحة، مع وضع مدد زمنية محددة للنشر، وقواعد أكثر تفصيلاً للتعاقدات والمشتريات
والاستثمارات والاقتراض والتصرف بالموجودات، إضافة إلى قواعد واضحة لتضارب
المصالح والإفصاح عن المصالح المالية ذات الصلة بالقرارات.
الرقابة لحماية المجلس وليست وصاية حكومية
هذه الإجراءات لا تنتقص من هيبة مجالس الإدارة، بل تحميها.
فالشفافية ليست عبئاً على المجلس النزيه، وإنما وسيلة لحمايته. عندما تكون القرارات المالية
موثقة، والعقود واضحة، والموازنات منشورة، والحسابات مدققة، تصبح مهمة أي مجلس إدارة
أسهل، ويصبح من الصعب تحميله مسؤولية أخطاء لم يرتكبها، كما يصبح من الصعب في
المقابل تمرير أي تجاوز تحت غطاء الغموض الإداري أو المالي.
وفي المقابل، يجب الحذر من أن يتحول الإصلاح الرقابي إلى تدخل حكومي في عمل الغرف
أو في خياراتها الانتخابية أو المهنية. استقلال الغرف في تمثيل القطاعات الاقتصادية جزء
أساسي من وظيفتها، ولا يجوز أن تتحول الرقابة المالية إلى وصاية على الرأي أو التمثيل أو
القرار المهني. المطلوب هو رقابة على المال والإجراءات، لا إدارة المؤسسة بدلاً من أهل
القطاع.
وهذه هي المعادلة التي ينبغي أن يبحثها المشرع الأردني بجدية: كيف نحافظ على استقلال
الغرفة، ونضمن في الوقت نفسه أن كل دينار يدخل إلى حساباتها أو يخرج منها يمكن تتبعه
وتدقيقه ومعرفة أوجه إنفاقه؟
انتخابات عام 2026 يمكن أن تكون فرصة مناسبة لفتح هذا النقاش بعيداً عن الأشخاص
والاصطفافات الانتخابية. فالانتخابات ستفرز مجالس جديدة، وربما وجوهاً جديدة، لكن المشكلة
التشريعية ـ إن وجدت ـ لن تتغير بتغير الأسماء. ولهذا فإن الإصلاح الحقيقي يجب أن يكون
مؤسسياً لا موسمياً، وأن يرتبط بالقانون والحوكمة لا بالأشخاص.
نحن بحاجة إلى مراجعة هادئة للتشريعات الناظمة للغرف التجارية والصناعية، ودراسة مدى
الحاجة إلى تعديلها، وربطها بمنظومة أكثر وضوحاً في التدقيق الخارجي والإفصاح المالي
والحوكمة وتضارب المصالح ومتابعة الملاحظات الرقابية، مع تحديد العلاقة القانونية بينها
وبين الجهات الرقابية الوطنية بصورة لا تحتمل التأويل.
فالحديث عن الشفافية لا ينبغي أن يبدأ بعد ظهور مشكلة مالية، ولا بعد خلاف داخل مجلس
إدارة، ولا بعد تداول اتهام في وسائل التواصل الاجتماعي. الشفافية الحقيقية تبدأ قبل ذلك بكثير،
عندما تكون المعلومات متاحة، والحسابات واضحة، والإجراءات محددة، والرقابة جزءاً طبيعياً
من عمل المؤسسة.
الغرفة التجارية أو الصناعية ليست ملكاً لمجلس إدارتها، كما أن مجلس الإدارة ليس إلا مؤتمناً
على مؤسسة تمثل قطاعاً واسعاً من أصحاب الأعمال والمنشآت والمصالح الاقتصادية. ومن
حق هؤلاء أن يعرفوا كيف تدار موارد مؤسستهم، ومن واجب المجلس أن يقدم هذه المعلومات
في إطار قانوني واضح لا يخضع للأمزجة أو الظروف أو الأشخاص.
ولذلك فإن السؤال الذي يجب أن يرافق انتخابات الغرف في عام 2026 لا ينبغي أن يكون فقط:
من سيفوز؟
بل أيضاً: ما القواعد التي سيعمل الفائزون في ظلها؟
الانتخاب يمنح المجلس شرعيته، لكنه لا يلغي المساءلة. والاستقلال يحمي المؤسسة من التدخل،
لكنه لا يعني أن المال خارج نطاق التدقيق. أما الإصلاح الحقيقي، فهو أن نصل إلى معادلة
متوازنة تجمع بين شرعية التمثيل، واستقلال القرار، ووضوح المال، وشفافية الإدارة، ورقابة
مهنية تحمي المؤسسة قبل أن تحاسبها.
رئيس مجلس محافظة العقبة سابقاً


