إعداد: محمود كريشان / الدستور
«صباح الخير يا عمان.. صباح الخير يا أردن.. صباح النور أيها الحمى الهاشمي الذي نشأنا
على تربته وإليه نعود».. صباح الخير الى جميع قراء «الدستور».. وأُسعدتم صباحا ومرحبا
بكم والحديث يبدأ عن: «قرية عمان وسوقها الصغير»..
جسور الرومان
وتقول الكاتبة والأديبة هند ابوالشعر: لقلب عمان نبض خاص، وروح عصية على التدجين،
ولعمان مسيرة أطول من الدهور وأعمق من الزمن البعيد، سموها ما شئتم.. ربة عمون،
فيلادلفيا، مدينة الحب الأخوي، مدينة المياه، فهي كل هذا، وهي عمان! مرت بها حضارات تبدأ
من عين غزال عام 7500 قبل الميلاد، وعمر العمونيون قلعتها، واحتلها اليونان وبنى فيها
الرومان الجسور المكينة، وبنى فيها العرب الجامع العمري، ويقع بطرف السوق وازدهرت أيام
بني أمية لأسباب اقتصادية وسياسية، إلا أنها فقدت رونقها ومكانتها مع سقوط بني أمية، حيث
اتجه العباسيون نحو المشرق، وأقاموا دولتهم في العراق وبنوا بغداد، فتراجعت مكانة أطراف
بلاد الشام، وتحولت عمان إلى قرية زراعية مكتفية بنفسها، وبفعل الزلزال العظيم الذي دمر
بلاد الشام أواخر أيام بني أمية، تهمش دورها، وتحولت مع الزمن إلى معبر للحجاج والتجار،
والى مكان عبور مؤقت للقبائل البلقاوية في رحلاتها الموسمية المعروفة باتجاه الغور أو جبل
العرب، وأصبحت خرائب تقف شاهدة على الماضي، بإطلالة شامخة على السيل. تختصر
مسيرة عمر تبدأ مع قرية عين غزال، وتقف على مشارف القرن التاسع عشر الميلادي، في ظل
الدولة العثمانية، فكيف استعادت عمان حضورها من جديد؟..
جوامع ودكاكين
وتضيف ابوالشعر: أرادت الدولة العثمانية ردع القبائل البدوية وتثبيت سلطتها، ومع تعيين
مدحت باشا واليا على سوريا، اقترح إسكان المهاجرين من أبناء القوقاز في أنحاء متعددة من
ولاية سوريا، لزيادة مساحة الأراضي المزروعة، وظهرت أثناء ولايته فكرة مشروع ولاية
عمان الحميدية، التي تضم سنجق الكرك وقائمقاميات معان والشوبك وحسبان والسلط وعين
الزرقا، وتكون عمان مركزها نظرا لأهمية عمان السابقة، فقد كانت عاصمة في عهد الرومان
وتسمى فيلادلفيا وأكد المشروع المقترح ان هذا التنظيم الإداري الجديد، سيساهم في توطين
500 أسرة من المهاجرين، وتوطين البدو، حيث يتوافر للولاية المقترحة السكان والأراضي
المروية والثروة الحيوانية الوفيرة، ومع أن المشروع الذي تقدم به الصدر الأعظم كمال باشا
إلى الباب العالي سنة 1878، ظل حبرا على ورق في الأستانة، فإنه تحقق على ارض عمان،
بإسكان المهاجرين في المناطق المروية. وشاهد الرحالة أوليفانت الذي زار خرائب عمان سنة
1878 عائلات من قبيلة الشابسوغ الشركسية تستقر في المدرج الروماني، وتوالى قدوم
الشراكسة حتى وصل سنة 1899 إلى 500 أسرة، وتشكلت الحارات المعروفة: الشابسوغ،
الأبزاخ، القبرطاي، راس العين، وكان لكل قبيلة مرافقها في كل حارة : الجامع، الدكاكين،
الدور والعقارات، المغر، الآبار، البيادر، الطرق التي أخذت تسير عليها العربات الشركسية
بعجلات، البساتين، اليواخير وغيرها من المرافق.
محلة الشابسوغ
وفي عام 1892، احتوت محلة الشابسوغ على 120 أسرة و35 دكانا ومصبغة ومكتبين
للتعليم، وكانت المحلة تقع حول المدرج الروماني وسفوح جبل القلعة، وامتدت على جانبي
الطريق السلطاني، ويربط الجسر الذي أقيم سنة 1909 أجزاءها الجنوبية بالشمالية، ليسمح
للأهالي باجتياز السيل شتاء، وكان في الحارة دار الحكومة أي السراي، وتقع قرب جامع
الشابوغ، وفيها مبنى البوستة والتلغراف، ودار البلدية التي أنشئت عام 1909 ، وبالمقابل بلغ
تعداد بيوت محلة القبرطاي سنة 1892( 139 ) بيتا تمتد حول الجامع العمري، وفي أسفل
جبل القلعة، ويخترقها الطريق السلطاني، وفيها جامع القبرطاي والجامع القديم «العمري» وهو
الجامع الحسيني اليوم، فضلا عن مخفر وسبيل تركي عند مدخل الجامع العمري، مع كتاب
يخدم أهالي المحلة، الذين ازدادت أعدادهم بسبب تزايد الهجرات مع مطلع القرن العشرين،
فشكل المهاجرون الجدد من القبرطاي محلة جديدة عند رأس العين عرفت بمحلة المهاجرين
سنة 1902، وعمرتها 129 أسرة شركسية، إلا أننا لم نجد تحديدا أو وصفا لسوق المحلة
آنذاك، فقد كانت محلة الأبزاخ صغيرة، وتضم 35 أسرة فقط، ومع ذلك كان فيها تسع دكاكين
وجامع صغير للمحلة.
سكة الحديد
وقالت ابوالشعر: هكذا بدأت عمان، وهكذا كانت قبل مرور خط سكة الحديد الحجازية فيها،
بعد إعادة إعمارها بربع قرن، فكيف بدت عمان بعد مرور السكة فيها؟.. كان مرور السكة من
عمان حدثا فاصلا، حول القرية الوادعة إلى مقر عسكري، إذ اتخذت ولاية سوريا من قرية
عمان مقرا لهيئة السوقيات العسكرية في جنوبي ولاية سورية، كما أصبحت عمان مركزا
لمرور الحجاج، وبالتالي مستقرا للموظفين من العاملين بالسكة، وقبل أن يستكمل العمل
بالمحطة، أرسلت الدولة قائد الدرك خسرو باشا سنة 1902 إلى عمان للإشراف على إسكان
800 مهاجر وبناء مساكن لهم، وتلى هذا الأمر تفويض الأراضي لهم، وبدأت جماعات من
الالزكي والداغستان بإستيطان عمان وجوارها، سنة 1910 ، واجتذبت عمان القادمين مع
السكة من أهالي معان ودمشق وباقي أطراف وحواضر بلاد الشام ومن نابلس والقدس، ومن
أهالي نجد من العقيليين، كما اجتذبت أبناء الجوار من أهالي السلط والفحيص وأبناء العشائر
البدوية، التي كانت تعتبر عمان «ديرتها» ومسرحا لمواشيها ولهجراتها الموسمية، وأصبح
سوق عمان القديم «سوق الحلال» موقعا جاذبا للعقيليين من نجد وأبناء العشائر، الذين أفادوا
من مرور خط السكة بعمان، واجتذبت أطراف المحطة العديد من تجار المواشي والفلاحين،
الذين أخذوا يسوقون إنتاجهم من المحطة إلى الحواضر التي يمر بها القطار، فارتفعت قيمة
الحاصلات، وإنعكس هذا الحال على تجار المواشي والمربين والفلاحين .. في آن هذه النقلة
السريعة في ربع قرن فقط، شكلت مجتمع ناحية عمان ومركزها قرية عمان، التابعة لقضاء
البلقاء وقصبته، السلط، التابع لمتصرفية الكرك بعد 1893م فانتقل سوق عمان إلى حالة من
الفعالية وتمدنا.
زلزال عام 1927
أمام ذلك.. كانت سجلات المحكمة الشرعية أقدمها يعود إلى 1901 خلال حجج حصر الإرث
التي تقدم عادة جردا دقيقا لموجودات الدكاكين، وقد امتدت عمان في العهد العثماني من
1878-1918 لتشمل حي المحطة، العزيزية، محلة الأغراب، ثم حارة المسيحيين وحارة
الفالحين، وكانت دور عمان عندها بسيطة، بطابق واحد، ومبنية من الحجارة والطين، إلا أن
زلزال عام 1927 الشهير حول عمان إلى عهد جديد من البناء الهندسي، بأمر من مهندس
البلديات، وتحولت عمان إلى مدينة جميلة من الحجارة المدقوقة بأيدي بنائين مهرة من نابلس
ودمشق، بمتابعة مؤسسة من بلدية عمان، التي تأسست سنة 1909.
شهد النصف الثاني من القرن التاسع عشر، صدور قانون البلديات مع الدستور العثماني،
وتأسيس دور البلديات في كل من إربد والسلط والكرك والطفيلة ومعان ثم في عمان، وذلك سنة
1909، وكان أول رئيس للبلدية في عمان عادل اسماعيل بابوق (1909 -1911 ) وانتقلت
عمان إلى عهد جديد تتم فيه متابعة الطرق، وتراخيص الأبنية والسوق «سوق الحلال» والتجار
ومراقبة الموازيين وباج الحيوانات، وتم فيه تطبيق مواد الدستور أسوة بباقي دور البلديات،
ومع سقوط الدولة العثمانية العام 1918 كان عمر المجلس البلدي تسعة أعوام، وقد اهتم العهد
الفيصلي (1918-1920) بالبلدية، ومع تشكيل إمارة الشرق العربي آذار 1921 واستقرار
الأوضاع الأمنية، بدأ الاهتمام بالطرق والتجارة، وتم افتتاح أول طريق في 25 أيار 1924
بجهود المجلس البلدي، وسمح التنظيم الجديد لعمان بظهور أسواق جديدة مثل: سوق السكر،
وسوق الصفدي وسوق الخضرة، وكان من واجبات البلدية متابعة الأسواق والباعة، وتحقيق
الشروط الصحية.
وبعد زلزال عام 1927 أصبحت للشوارع هويتها وأسواقها، ومنها شارع الرضا وشارع
البلدية وشارع السعادة وشارع المهاجرين، إلا أن أهم الأسواق والتجمعات المهنية ظهرت في
المحطة، ويمكن الإشارة ما بين عامي 1921 و 1930 إلى الشوارع والمواقع التالية من خلال
سجلات البلدية: شارع الأمير طلال، شارع الهاشمي، شارع المحطة، طريق المقر العالي،
شارع الشابسوغ، شارع النشا، شارع الأشرفية، شارع ميرزا باشا، شارع العزيزية، طريق
مصدار عيشة، طريق رأس الماء، شارع الملك حسين، شارع الملك فيصل.
تختم ابوالشعر: هذه قراءة سريعة لعمان، منذ أن أعيد إعمارها، فمن يصدق أننا نتحدث عن
قرية وادعة على ضفاف سيل عمان سنة 1878 ، ومن يصدق أنها هي عمان سنة 2025
أحيانا وأنا اطل من نافذة سيارتي واعبر بها الأنفاق والشوارع والمناطق الحديثة والمراكز
التجارية الضخمة والأبراج، أحس بأنني أعود فجأة إلى حضن هذه القرية الوادعة، التي كان
يعرف كل واحد من أهاليها كل أهاليها، وأسأل نفسي، هل هذه هي عمان التي اقرأ عنها؟..
وعندما ادخل الى حضن الوطن الدافئ، أحس بالشموخ؛ فنحن في قلب معجزة اسمها عمان؟..
اذا.. ستبقى عمانُ الصِّبا والصَّباح الندي.. تُطلُّ من الأمسِ نحو الغدِ.. نمضي مع الحياةِ صباحا
في مواكب الساعين على بركة الله، أفرادا وجموعا، نقصدُّ رقيّ عمان، نُلبي النداء بعزائم لا
تلين، نهتفُ حبا لوطنٍ يواصلُ المسير في دروب النماء إلى سمو الأمجاد.


