بقلم: ديمة عادل رزوق
مهرجان الفحيص ليس مهرجانًا عابرًا في روزنامة الفعاليات الأردنية، ولا مناسبة فنية موسمية يمكن أن تمرّ دون أن تترك أثرًا. إنه مهرجان وُعينا عليه وأحببناه، وأصبح على مدى أكثر من ثلاثة عقود جزءًا من الذاكرة الثقافية والفنية للفحيص وللوطن.
ثلاثة وثلاثون عامًا مرّت على مهرجان الفحيص، وقف خلالها على مسارحه كبار الفنانين والشعراء الأردنيين والعرب، وكان مساحة حقيقية للقاء بين الفن والثقافة والجمهور. ومن بين الأسماء التي ارتبطت بذاكرة المهرجان الشاعر الأردني الراحل الكبير جريس سماوي، إلى جانب أسماء فنية وثقافية كثيرة جعلت من الفحيص محطة مهمة على خريطة المهرجانات العربية.
ولهذا، فإن ما يمر به المهرجان اليوم من ظروف وإمكانات محدودة يجب ألا يدفعنا إلى التعامل معه باعتباره مهرجانًا صغيرًا أو مناسبة محلية تقتصر على أبناء الفحيص والضواحي المحيطة بها. على العكس تمامًا؛ هذه الظروف يجب أن تكون دافعًا لإعادة التفكير في مستقبل المهرجان، والعمل على دعمه وتطويره واستعادة المساحة التي تليق بتاريخه وجمهوره.
لقد اعتاد الأردنيون أن يروا مهرجان الفحيص مساحة واسعة للفن، وملتقى يحضر إليه الجمهور من مختلف المحافظات، وتستضيف مسارحه أسماء كبيرة من الأردن والوطن العربي. ومن المؤسف أن تتراجع مساحته اليوم بدل أن تتوسع، وأن تضيق خياراته بدل أن تتسع.
الليلة الختامية لهذا العام كانت مثالًا واضحًا على أن المهرجان، رغم محدودية الإمكانات، ما يزال قادرًا على صناعة ليلة فنية جميلة واستعادة شيء من بريقه. وقد زادها تألقًا الفنان اللبناني صبحي توفيق، الذي استطاع بحضوره وقربه من الجمهور أن يعيد إلى الأذهان صورة المهرجان التي عرفناها وأحببناها.
وكان للفنان الأردني فراس طعيمة حضور لافت في الليلة الختامية يستحق التوقف عنده ودعمه. فهذا الفنان، بصوته الجميل والقوي وحضوره المميز، يستحق أن تكون له ليلة فنية كاملة ضمن فعاليات المهرجان، وأن تتاح له المساحة التي تليق بموهبته. وهو ابن الفحيص الذي يستحق أن يحتفي به مهرجانه ومدينته، وأن تكون له فرصة أكبر للوصول إلى الجمهور الأردني والعربي أطربنا بصوته وشاركنا بأغنيته الجديدة الجميلة التي تستحق الانتشار محليا وعربيا؛ فالفنانون الحقيقيون لا ينبغي أن تبقى شهرتهم محصورة داخل حدود مدينتهم أو وطنهم.
أما مسرح القناطر، فهو تجربة جميلة ومساحة تستحق أن تبقى جزءًا أساسيًا من هوية المهرجان، وأن تُقام عليها الفعاليات وتستضاف فيها مجموعة من الفنانين. لكن وجود هذا المسرح لا يلغي الحاجة إلى التفكير الجدي في المستقبل: أين المسرح الكبير الذي يليق بمهرجان الفحيص؟ وأين المساحة التي تستطيع استقبال أعداد أكبر من الجمهور وتمنح المهرجان القدرة على استعادة حضوره الحقيقي؟
السؤال اليوم ليس كيف نحافظ على المهرجان بصورته الحالية فقط، وإنما كيف نجعله أكبر وأقوى وأكثر حضورًا في السنوات المقبلة.
لماذا لا يكون هناك مشروع حقيقي لإنشاء مسرح كبير داخل الفحيص، يحمل اسم المهرجان ويصبح عنوانًا ثقافيًا وفنيًا للمدينة؟ ولماذا لا تتضافر جهود أبناء الفحيص والجهات الرسمية والقطاع الخاص وكل المؤمنين بأهمية الثقافة والفن من أجل إيجاد مساحة تليق بهذا التاريخ؟
مهرجان عمره ثلاثة وثلاثون عامًا يستحق أكثر من مجرد الاستمرار؛ يستحق التطوير.
ويستحق أن تكون له بنية تحتية توازي اسمه، ومكان يستوعب جمهوره، وبرنامج فني وثقافي يعيد إليه موقعه الطبيعي بين المهرجانات الأردنية والعربية.
فمهرجان الفحيص ليس مجرد حفلات غنائية، وليس منصة مؤقتة للفنانين. إنه ذاكرة مدينة، وذاكرة أجيال، وجزء من المشهد الثقافي والفني الأردني. وقد تعاقبت أجيال من أبناء الفحيص على خدمته والعمل من أجل إنجاحه واستمراره، ولذلك فإن الحفاظ عليه اليوم ليس مسؤولية إدارة المهرجان وحدها، بل مسؤولية كل من يؤمن بأن الثقافة والفن جزء من هوية هذا البلد.
قد تكون الإمكانات محدودة اليوم، وقد يكون الموقع أصغر مما اعتدنا عليه، لكن لا ينبغي أن تصبح هذه الظروف قدرًا دائمًا.
المطلوب أن ننظر إلى السنوات الحالية باعتبارها مرحلة مؤقتة، وأن نعمل من الآن على أن يعود مهرجان الفحيص إلى مساحة أكبر، وجمهور أوسع، وحضور أقوى، ومكانة تليق بتاريخه.
مهرجان الفحيص الذي أحببناه لا يستحق أن يصغر. يستحق أن يكبر.
يستحق أن يعود كما عرفناه، بل أفضل مما كان.
ويستحق أن يكون للفحيص مهرجانها الكبير كما اعتدنا عليه
كل الشكر لمدير المهرجان أيمن سماوي وكل القائمين عليه على جهودهم لإستمرارية المهرجان رغم شح الإمكانيات بالفعل نفتخر بكم ونتمنى ان لا يضيع تعبكم وتعب الأجيال السابقة وان تحظى الفحيص الحبيبة بالدعم لإعادة المهرجان إلى أمجاده


