ألا حيّها عجلون من بُرْدَةِ الهوى أسامرها بدرًا؛ فترسمني شمســا
كتب الدكتور: علي منعم محمد القضاة
القراء الأعزاء، أسعد الله أوقاتكم بكل خير، أينما كنتم وحيثما بنتم، نلتقي مجددًا في “شذرات عجلونية”،
حيث تحمل كل شذرة فكرةً تستحق التأمل، وشأنًا يستحق الوقوف عنده. ننطلق من عجلون العنب
والذهب، عجلون الحب والعتب، لنطوف معًا بهذه الشذرات في فضاءات الفكر والحياة، راجيًا أن تجدوا
فيها ما يثري العقول، ويحرك الوجدان، ويضيف شيئًا جميلًا إلى حوارنا المستمر. وشذرتنا اليوم
بعنوان: حين تدخل المحفظة إلى الاستوديو.
وجهة نظر لا غير
تواترت في الآونة الأخيرة الأحاديث عن تهافت الخبراء والإعلاميين والصحفيين و(المؤثرين) الذين
يحرصون على الظهور في مختلف وسائل الإعلام، باعتبارها إحدى أسرع بوابات الشهرة والانتشار.
لكن الإعلام سلاح ذو حدين؛ فقد يسهم في تقديم أشخاص والتعريف بهم على المستويين الرسمي
والشعبي، وفي الوقت نفسه، قد يكون سبباً في تراجع صورتهم ومكانتهم، خصوصاً مع ما قد يتردد من
أقاويل حول شراء الآراء والمواقف والتوجهات، ولا سيما عندما تتناول بعض البرامج موضوعات تقع
خارج تخصصات ضيوفها، أو عندما يتكرر ظهور بعضهم لمجرد الحصول على مقابل مادي.
وهنا تبرز تساؤلات عدة حول طبيعة هذا الظهور، ومعايير اختيار الضيوف، ومدى ارتباط ما
يطرحونه من آراء وخبرات بتخصصاتهم ومواقفهم الحقيقية.
بين مكافأة الخبير وشراء الظهور!!
تتعامل وسائل الإعلام مع خبراء ومحللين ومتخصصين في مجالات مختلفة، وتستعين بخبراتهم وآرائهم
لإثراء القضايا التي تهم الرأي العام. ولا أرى بأساً في أن يحصل الخبير على مقابل مادي لقاء وقته
وجهده وخبرته، ما دام ذلك يتم وفق قواعد واضحة وشفافة، ولا يمتد تأثيره إلى مضمون رأيه أو اتجاه
التغطية.
لكن الحكاية تتغير عندما تتحول المكافأة من تقدير للوقت والخبرة إلى ثمن للرأي أو بطاقة عبور إلى
الشاشة. فليس من المنطقي أن يطلب الخبير مالاً مقابل مجرد ظهوره الإعلامي، كما لا يستقيم أن يدفع
هو للوسيلة الإعلامية كي يحصل على مقابلة، أو مساحة يروج فيها لشخصه، أو لمصالحه أو لأفكاره؛
عندها لا نكون أمام ممارسة إعلامية مهنية؛ بل أمام شراء للظهور.
وتزداد حساسية المسألة عندما تختلط المادة التحريرية بالإعلان والترويج من دون الإفصاح عن
طبيعتها؛ فالإعلام ليس إعلاناً مقنعاً، والمحتوى المدفوع لا ينبغي أن يتخفى في ثوب المادة الصحفية
المستقلة. ومن هنا يصبح الفصل بين الإعلان والترويج من جهة، والمحتوى التحريري من جهة أخرى
ضرورة لحماية استقلال الصحافة ومصداقيتها، والأهم من ذلك حفظ حق الجمهور في أن يعرف: هل
يشاهد رأيًا حرًا، أم رسالةً دُفعت كلفتها مقدمًا؟
من يدفع ثمن الموقف؟
لا يكفي لمعرفة ما إذا كان المقابل المالي مشروعاً أم لا أن نسأل: هل تلقى الخبير أو الصحفي مالاً؟ بل
ينبغي أن نسأل قبل ذلك: لماذا دفع المال، وما المطلوب في المقابل؟
فهناك فارق كبير بين مكافأة مهنية تمنح للخبير، أو المحلل لقاء وقته وجهده وخبرته، وبين مبلغ يدفع له
مقابل تبني موقف معين، أو إطلاق تصريح محدد أو توجيه الرأي العام بما يخدم شخصاً أو جهة بعينها.
والمقياس الحقيقي هنا هو الاستقلالية؛ فإذا كان الخبير حراً في أن يوافق أو يخالف الجهة التي تدفع،
فنحن أمام أجر مهني، أما إذا ارتبط المال بموقف أو نتيجة محددة، فقد دخلنا منطقة تضارب المصالح،
وربما تجاوزناها إلى التأثير في المحتوى.
وتزداد المنطقة الرمادية عندما يتعلق الأمر بالصحفيين؛ فالمسألة لا تقتصر على المال النقدي؛ بل قد
تشمل هدية أو تذكرة سفر أو إقامة أو دعوة خاصة أو أي منفعة أخرى. وليس كل تحمل لتكاليف
مشاركة صحفي في فعالية مهنية أمراً مرفوضاً بالضرورة، فالعبرة بالغرض وطبيعة الترتيب، وما إذا
كانت هناك شروط أو توقعات مسبقة بشأن ما سيكتبه أو يقوله.
ولعلَّ أفضل ما يحسم هذه الحالات هو الشفافية والإفصاح. فكلما كانت العلاقة المالية أو المهنية
واضحة، وكان المقابل محدداً لقاء خدمة حقيقية، ولم يكن مشروطاً بنتيجة أو موقف مسبق، أمكن
تقييمها بصورة أكثر موضوعية.
تتحول المنفعة إلى وسيلة لشراء الولاء
أما عندما تتحول المنفعة إلى وسيلة لشراء الولاء أو ضمان تغطية منحازة، فإن تغيير اسمها لن يغير
حقيقتها؛ فليس المهم إن سُمّيت مكافأة أو هدية أو دعوة، وإنما ما الذي اشتُري بها؟
فالصحافة تتنازل عن عرش رسالتها العظمى حين تنحدر من نقل الحقائق وتحليلها بنزاهة إلى منابر
مستأجرة تردد صدى النافذين وتخدم أرباب المصالح. والاستقلالية ليست رفاهية زائدة؛ بل هي
الركيزة الصلبة التي تقوم عليها ثقة الناس بالإعلام.
ليس كل ظهورٍ للبيع
ليس عيباً أن يقدّر الخبير قيمة وقته وخبرته، ولا أن يحصل على مقابل مهني لقاء جهد أو وقت أو
تكاليف حقيقية يتحملها من أجل المشاركة الإعلامية. فالمشكلة لا تبدأ عند دفع المال، وإنما عندما يتحول
المال من تعويض عن الوقت والخبرة إلى ثمن للرأي والموقف.
فإن كان المقابل بدلًا عن وقت وجهد مهني، أو لتغطية نفقات الانتقال والإقامة وفق سياسة واضحة، فلا
مشكلة في ذلك، ما دامت حرية الخبير في إبداء رأيه محفوظة. أما إذا أصبح المال مشروطًا بموقف
معين أو تصريح محدد، فهنا ينبغي التوقف؛ لأننا لم نعد أمام تعويض مهني، وإنما أمام تأثير في المحتوى الإعلامي.
ولهذا، قبل قبول أي مقابل، ينبغي أن يسأل الخبير نفسه: هل أتقاضى المال لقاء وقتي وخبرتي، أم لقاء موقف محدد؟ وهل أستطيع أن أقول ما أراه صحيحًا حتى لو خالف رغبة من يدفع؟ وهل هناك شروط خفية تربط المال بمضمون حديثي؟
فإن جاءت الإجابة مؤكدة النزاهة والتعويض المهني الصرف، فلا بأس؛ أما إن شابتها شائبة الارتهان، فإن الرفض يصبح حينها أسمى صور المهنية.
السمعة لا تُشترى
إن اسم الخبير ورصيده المهني ليسا شيئاً يمكن تعويضه بمكافأة عابرة؛ فالسمعة تُبنى على مدى سنوات، لكنها قد تتعرض للاهتزاز بسبب موقف واحد. ولذلك تبدأ حماية الاسم من احترام الإنسان لنفسه ولمهنته، ومن قدرته على وضع حدود واضحة لما يقبله وما يرفضه، حتى لو كان ما يُعرض عليه يسمى أجراً أو مكافأة.
ولذا، أوجبت الحكمة أن تظل العلاقات المالية بين الخبير والوسيلة الإعلامية واضحة وشفافة، بعيداً عن الاتفاقات الغامضة والترتيبات التي يصعب تفسيرها أمام الآخرين. فالخبير الذي يحرص على سمعته ينبغي أن يسأل نفسه قبل قبول أي مقابل: هل كنت سأقول الرأي نفسه لو لم أتقاضَ شيئاً؟ وهل أستطيع أن أختلف مع الجهة التي تتعامل معي من دون أن يتغير الاتفاق؟ وهل أستطيع أن أشرح هذا المقابل أمام الناس من دون حرج؟
فإذا أثارت الإجابات شيئًا من القلق، فربما كان الرفض أكثر ربحًا من القبول. فليس كل ما يدخل الجيب يضيف إلى الرصيد؛ فبعض المكاسب الصغيرة قد تكون فاتورتها الحقيقية هي الاسم والسمعة.
وفي الإعلام، وفي الإعلام، كما في شؤون الحياة كافة، ليست العبرة بـ(المسميات والشكليات)، وإنما بما ترمز إليه الحقائق في الجوهر. فقد تبدو المكافأة تقديراً، والهبة مجاملة، والسفر حاجة، لكنها في باطنها قد تنقلب إلى ثمن لشراء الموقف وارتهان الولاء.
وبين هذا وذاك، يظل الضمير المهني الحارس الأمين ليتساءل في دهشة: هل بقي الرأي حراً؟
وكما أؤمن دائمًا: إما أن تتعامل بأخلاق النبلاء مع كل الأشياء، أو تتركها حتى لا تسيء إليها ولا تسيء إلى نفسك.
أستاذ مشارك في الصحافة والإعلام الرقمي
E-mail:dralialqudah2@gmail.com
Mob: +962 77 77 29 878


