بقلم : أسامة ابو طالب
سعدت بالمشاركة اليوم، إلى جانب الزملاء في لجنة السياحة بسلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة، في اللقاء الذي عقد في فندق فيرمونت عمّان، وبحضور ممثلي القطاع السياحي والجمعيات والفعاليات المعنية، وشهد الإعلان عن برامج الدعم السياحي لعام 2026 التي أطلقتها مشكورة سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة، والموجهة للسياحة الداخلية، والسياحة الوافدة، وسياحة المؤتمرات والفعاليات MICE.
وكل التقدير للسلطة والقائمين على هذه المبادرة؛ فبعين العامل في القطاع السياحي، أرى أن أهمية هذه البرامج تتجاوز قيمة الدعم بحد ذاته، إلى الفكر الذي يقف خلفه، والأثر الاقتصادي والسياحي الذي يمكن أن يتحقق من خلاله.
فالسياحة الناجحة اليوم لا تُقاس بعدد الزوار فقط، بل بقدرة الوجهة على زيادة مدة إقامة السائح، ورفع إنفاقه، وتوزيع الحركة السياحية على مدار العام، وربط المنافع الاقتصادية بالمجتمع والمنشآت العاملة داخل الوجهة.
ومن هنا، فإن توجيه الدعم إلى المنشآت الفندقية والسياحية والمخيمات المرخصة والمصنفة يحمل رسالة صحيحة ومهمة؛ فالحوافز يجب أن تكافئ الالتزام والجودة، وأن تسهم في توسيع قاعدة الاقتصاد السياحي المنظم والارتقاء بمستوى المنتج والخدمة.
كما أن العمل على تطوير وتنظيم المنتج السياحي، بما في ذلك أمواج بلس، وتنظيم وترخيص وتصنيف المخيمات، يشكل جزءًا مهمًا من بناء تجربة سياحية أكثر جودة وتنافسية في العقبة ووادي رم.
لكن الفرصة الأكبر، من وجهة نظري، تبدأ عندما ننتقل من دعم النشاط السياحي إلى إدارة الوجهة السياحية كمنظومة واحدة متكاملة.
وهنا أرى أن المرحلة المقبلة تستحق العمل على ثلاثة مسارات مترابطة:
أولًا: إطالة مدة الإقامة.
بحيث يصبح الهدف أن يقضي الزائر وقتًا أطول داخل الوجهة، وأن تتحول الزيادة في أعداد الزوار إلى ليالي مبيت إضافية، وإنفاق أعلى، وفرص عمل، وقيمة اقتصادية حقيقية.
ثانيًا: الحد من الموسمية.
من خلال بناء منتجات وبرامج وحوافز تستهدف فترات انخفاض الطلب، وصولًا إلى عقبة قادرة على استقطاب الحركة السياحية على مدار العام.
ثالثًا: استكمال المثلث السياحي الذهبي.
فالعقبة ووادي رم لا ينبغي أن تعملا بمعزل عن البتراء. وأرى أن هناك فرصة حقيقية للتنسيق مع سلطة إقليم البتراء التنموي السياحي لتطوير برامج وحوافز متناغمة ومتكاملة، تسمح ببناء منتج سياحي يجمع:
العقبة – وادي رم – البتراء
كوجهة واحدة، وليس كثلاث محطات منفصلة.
وإذا تزامن ذلك مع توسيع الربط الجوي المباشر عبر مطار الملك الحسين الدولي، فإننا نقترب خطوة إضافية من بناء منظومة سياحية متكاملة:
سهولة الوصول ← حوافز ذكية ← منتج متكامل ← إقامة أطول ← إنفاق أعلى ← سياحة أكثر استدامة.
وهنا تحديدًا يجب أن يكون قياس النجاح في المرحلة المقبلة.
ليس فقط: كم زائرًا استقبلنا؟
بل أيضًا: كم ليلة أقام؟ كم أنفق؟ كم منشأة استفادت؟ كم فرصة عمل وقيمة اقتصادية بقيت داخل المنطقة؟ وهل نجحنا في الحد من الموسمية وزيادة الحركة السياحية على مدار العام؟
كل الشكر والتقدير لسلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة وللقائمين على إعداد وإطلاق هذه البرامج، وللزملاء في القطاع السياحي الذين يواصلون المشاركة وتقديم الأفكار والخبرات لتطوير المنتج وتعزيز تنافسية الوجهة.
ما تم إطلاقه اليوم خطوة مهمة تستحق التقدير والبناء عليها. والأهم أن نواصل ربط هذه المبادرات ضمن رؤية أشمل؛ لأن المنافسة السياحية عالميًا لم تعد بين مواقع منفردة، بل بين وجهات متكاملة تعرف كيف تحول مواردها إلى تجربة، والتجربة إلى إقامة، والإقامة إلى قيمة اقتصادية مستدامة.




