الطليعة نيوز
( 1 ) فتافيت !
القصاصات التي ندسّها في جيوب القمصان أو في مخابيء بعيداً عن أعين الناس أو في خزائن
عتيقة ، تلك تحمل الكثير من أسرارنا
و ذكرياتنا و مواقفنا ويوميّاتنا الفائتة و حكايات سيرتنا .. و تحمل ، أكثر ما تحمل ، أوجاعنا التي كانت
والتي صارت والتي تركت ندوباً في ملامحنا أو علامات مؤثرة في حياتنا .
.. القصاصات ، دائماً عناوين ومحطات وجع ، إضافة إلى كونها دفاتر ذاكرة .
.. القصاصات التي عليها ” نتف كلامنا و حروفنا ” تشكل و جهاً حقيقياً لرواية الحياة و فيها رائحتنا و
أشياء تشبهنا .
.. القصاصات نحن بما نحمل من تقلّبات و أحوال و أسرار .
( 2 ) في القبور !
الحقائب التي نحملها ، منفردين ، إلى قبورنا ، لا تشبه تلك الحقائب التي يحملها المسافرون أو تلك
التي يحملها العائدون من الأسواق ومن الأشواق ومن الرحلات المترفة ومن البنوك ومن البحار
ومن منازلات في الديار والأمصار !
.. الحقائب التي نحملها إلى القبور و قد لا يراها أحد من المشيّعين أو الأصدقاء الذين غابوا أو
الحاضرين ، تلك لا تشبه حقائب يدسّ فيها الناس نقودا ً أو مالا ً أو أوراقاً تتعلّق بالاسم والعائلة
والذاكرة والتاريخ والأصل ِ والفصل والجغرافيا والسطوة والعزوة والحظوة .
.. حقائبنا التي نحملها إلى القبور ، و لا يعرف عنها في العادة نفر ٌ كثير ، هذه حقائب أسرارنا التي في
الروح و الخلجات والوجدان الحميم ، هذه لا تشبه دفاتر الأرقام ولا دفاتر الأحلام ولا تشبه العلامات
الفارقة التي كان أحدهم يضعها سمّة ملازمة لنا .
.. الحقائب التي نحملها إلى القبور ولا يراها أحد ، تلك لا تحمل أوراقا ً ثبوتية لساكن القبر حول أحقيّته
في أن يُدفن هنا .
.. حقائبنا التي نحملها إلى القبور ، نحملها منفردين ولا نحمل فيها شيئاً عن المرحوم جدّنا التاسع
ولا عن مخارج الحروف في ألسنتنا .
…
الحقائب ، تلك التي لا تشبه الحقائب ، و نأخذها إلى القبور ، فيها أسئلة عميقة ، و حين نُسأل هناك :
)لا نُحاسب ُ فيها على لهجاتنا ولا على مواعيد ولاداتنا و لا على مطارح الصبا ( . .
( 3 ) أزمة !
في الأزمات الكبرى ، و الانشطارات العميقة و فصول الدم ،
كما الأحوال الآن : ينشغل المثقفون العرب والمحليّون و كل من يشتغل في ميدان ومجالات
الثقافة بأدوارهم التقليديّة التي تقوم على ترويج الفعل الاجتماعيّ بديلا ً عن الثقافيّ المعاضد
والمساند لأحوال الناس و أوجاعهم .
المثقفون و من يلتحقون بركب الثقافة و من يحاولون الاقتراب من عناوين ومسارح الثقافة أو ممن
يزعمون أنهم مثقفون وعارفون ، أو من الذين اشتغلوا في ” الفزعة الثقافية ” و نأوا بعد ذلك ،
كلهم انتهجوا درب الاكتفاء بالفرجة أو بالتصفيق الاجتماعيّ أو البرامجيّ أو الإداريّ المرتبط بأعمال
تنموية محليّة لا تقترب من الثقافة في العمق ، بل تحاول ملامسة عناوينها .
نقرّ بوجود أزمة كبرى في الشأن الثقافيّ و أحواله و يتبدّى الأمر جليّا ً في انقسامات و انحيازات
المثقفين و أعوانهم و أصدقائهم ، حيال المشهد العربيّ برمّته جميعها .
المثقفون العرب ، الآن و في الحالة الملتهبة للمشهد ، نأوا بأنفسهم واكتفوا بالفرجة ، أو هاجروا ..
أو انشغلوا برغيف الخبز !
.. لا أريد القول أن ّ كثيرا ً منهم بانت سوءته و انكشف عن فراغ ٍ و وهم .
( 4 ) مؤامرة !
المحارب ُ القديم ، حين خاض حربه الأخيرة ، لم يخسر مثلما يحدث للمقاتلين المدججين بالنياشين
والأسمال !
.. المحارب القديم ، فقد رأسه و احتفظ بــ ِ خوذته مانعة الصواعق والصدى .. فقد ثلاثة أرباع ساقه
واحتفظ بحذاء ثقيل .. فقد قفصه الصدري و أحشاءه واحتفظ بسترة واقية .
.. المحارب القديم ، لم يخسر كثيراً ، ولا نزال نحتفي بــ ِ نياشينه و رصاصات بندقيّته و علية سجائره
التي ظلّت على حالها .
.. المحارب القديم ، ترك لنا بزّته العسكرية و بصطاره و خوذته و علبة سجائر و راتباً تقاعدياً ينفع
لشراء رطلين من البندورة و أرغفة .
.. المحارب القديم ذاته الذي عاد بلا ملامح من معاركه الضارية كلّها ، رجع و لم يخسر شيئاً ، فكلّ ما
في الأمر أنه ترك لنا حذاء أنيقاً و صورة له مع بندقيّته و ذهب بعيداً في الموت .
المحارب القديم ، ترك لنا الحجارة على حالها والشجر و الأسمال والأحذية و رسائل عتيقة كانت تصل
إليه من خطيبته .. المحارب القديم مات .
المحارب القديم مات ولا يزال يقول في قبره : إنّها مؤامرة !


