كتب : الدكتور محمد الحناقطه
أطلَّ علينا مؤخرًا شخصٌ جواد في طول اللسان بخيل في الوفاء. طاعنٌ في السن كان المنتظر منه بحكم عمره وتجربته الطويلة أن يقدم للناس خطابًا يتسم بالحكمة والرصانة وأن يكون قدوةً في انتقاء الألفاظ . إلا أن ما سمعناه منه كان مليئًا بمصطلحات وعبارات لا تليق بمن بلغ هذه المرحلة من العمر ولا تنسجم مع ما يُفترض أن يتحلى به كبار السن من وقارٍ واتزان.
من المستغرب أن يصدر هذا الخطاب عن شخصٍ شغل مناصب عديدة على مدى سنوات طويلة ومع ذلك يصعب على المتابع أن يتذكر إنجازًا استثنائيًا أو أثرًا بارزًا تركه في أيٍ من تلك المواقع. فقد تنقل بين العديد من المناصب مستفيدًا من الثقة التي مُنحت له لكن المناصب لا تُقاس بعددها وإنما بما يتركه صاحبها من إنجازات حقيقية ومواقف تُسجل له في ذاكرة الناس. فالتاريخ لا يحفظ أسماء الذين شغلوا المناصب فحسب بل يحفظ ما قدموه خلالها ويحفظ أيضًا مواقفهم في خريف العمر حين تُختبر الحكمة ويظهر معدن الإنسان الحقيقي.
كان الأولى به وقد تقدم به العمر أن ينشغل بما ينفعه وينفع مجتمعه وأن يترك للأجيال نموذجًا في الحكمة والوقار والإنصاف لا أن يعود إلى الواجهة بخطابٍ يثير الجدل ويطغى عليه التنكر للفضل واستعمال عبارات لا تضيف إلى رصيده شيئًا. في هذه المرحلة من العمر لا يليق بالإنسان التنكر لمن احسن الية بل أن ينشغل بما ينفعه عند الله وأن يترك خلفه ذكرًا حسنًا وسيرةً طيبة. فالعاقل كلما تقدم به العمر ازداد تواضعًا وإنصافًا لا جحودًا وتنكرًا.
ولو كنتُ مكانك وقد بلغت ما بلغت من السن لقضيت ما بقي من العمر في العبادة وشكر الله على نعمه واستذكار من أحسن إليّ بالدعاء والثناء الحسن لا بإنكار فضلهم والتقليل من شأنهم. فالمناصب تزول والأضواء تنطفئ ولا يبقى للإنسان في آخر المطاف إلا عمله وسمعته وما قدمه من خير. كان الأجدر بك أن تكون مثالًا للحكمة والوفاء لا للجحود ونكران الجميل. فبعد كل ما منحك إياه الوطن من مناصب ومكانة وثقة كان الواجب أن ترد الإحسان بالإحسان.
إن النقد حق كما أن الاختلاف في الرأي حق لكن إنكار المعروف ليس حقًا بل هو نقيصة أخلاقية. فالناس قد تختلف في المواقف لكنها تتفق على أن الوفاء شرف وأن الجحود وصمة عار لا يمحوها الزمن. ومن لا يحفظ فضل من أحسن إليه لا يُؤتمن على عهد ولا يُرجى منه وفاء.
فالوفاء خُلُق الكبار أما الجحود فلا يصنع مجدًا ولا يحفظ كرامة بل هو سقوط أخلاقي يكشف ضعف الوفاء وقلة المروءة . ومن تنكّر لمن احسن الية فإنما يكشف عن معدن نفسه قبل أن يسيء إلى غيره. فالناس قد تنسى الكلمات لكنها لا تنسى المواقف والتاريخ لا يرحم الجاحدين. فالرجال تُعرف عند ردّ الجميل لا عند إنكاره ومن اعتاد نكران الفضل فلن يكون وفيًا لأحد.
اخيرا اقول لهذا الجاحد أن أقسى أنواع الفقر ليس فقر المال بل فقر الوفاء فمن تنكّر لمن أحسن إليه فقد خسر قيمة لا تُشترى ولا تُعوَّض. والجحود قد يرفع صاحبه لحظة لكنه يسقطه في أعين الناس والتاريخ إلى الأبد.


