عبد الهادي الراجح
لا يوجد مؤرخ وإنسان منصف درس تاريخ الأردن ونضال أبناءه وكفاحهم إلا وتوقف أمام اسم كبير
ورمز عظيم وطبيب إنسان هو الدكتور يعقوب زيادين عرفته ساحات وميادين الأردن وفلسطين ثائرا
حرا ومناضلا جسورا وطبيبا إنسانا كان يعرف بطبيب الفقراء في الأردن وفلسطين التي حملته
أبناءها نائبا لهم ومتحدث باسمهم عن مدينة القدس في مرحلة من اخطر المراحل التاريخية في
حياة الأمة .
ونجح يعقوب زيادين ابن قرية السماكية في محافظة الكرك ليكون نائبا عن القدس في الوقت الذي
لم يحالف الحظ خيرة أبناء القدس الشجعان ، ليأتي اليوم في القرن الواحد والعشرين من يحدثنا عن
المنابت والأصول والمذاهب والأديان .
حدث ذلك عندما كانت الأمة في أعظم مراحلها التاريخية وكانت مصر الناصرية هي بلد السيادة
والريادة ومن يقود حركة التحرر القومي وكنس الاستعمار وأعوان الاستعمار ، وكان هناك في العالم
قوة الاتحاد السوفيتي الصديق وهو في وهج قوته بعد أن تمكن من القضاء على النازية والفاشية
وكانت الوحدة العربية حقيقة يسعى لها الجميع ، ولا فرق بين أبناء الأمة الواحدة حيث جمعتهم
الجغرافيا والتاريخ والثقافة ووحدتهم رسالات السماء قبل الفتن الوهابية الحمقاء القادمة من
أرض جزيرة العرب الطاهرة التي وجدت بالمتأسلمين الإرهابيين في بلاد العرب ومصر بشكل خاص
ضالتها المنشودة لإثارة الفتن والقلاقل لخدمة المشروع الصهيو أمريكي وعملت تلك القوى بغباء
سياسي أو بعمالة ضد أمتها وبني قومها .
الدكتور الإنسان يعقوب زيادين
وخاض الدكتور الإنسان يعقوب زيادين مع رفاقه معارك الوطن وحقه في الحرية والاستقلال وإنهاء
التبعية لبريطانيا التي كان احد جنرالاتها على رأس قيادة جيشنا العربي الأردني ، وتحمل الدكتور
يعقوب زيادين أبو خليل مرارة السجون والاعتقالات والآلام التعذيب والحرمان حتى من رؤية
الشمس لسنوات طويلة ، ناهيك عن الغربة والتشرد في حر الصيف وبرد الشتاء ورطوبة الزنازين
بعد الاعتقالات ، ولم تفتنه الإغراءات ولم تخيفه عصى الإرهاب ولم يغريه ذهب السلطان وإنما
وضع عينيه على مصلحة وطنه وشعبه وأمته وحقهم الكريم في الاستقلال والحياة الكريمة .
وبعد إجهاض التجربة الديمقراطية الوحيدة في تاريخ الأردن وانقلاب القصر عليها ، أصبح رئيس
الحكومة الوطنية المنتخبة آنذاك الزعيم سليمان النابلسي تحت الإقامة الجبرية والنواب والوزراء
معتقلين أو مطاردين ، وكان طبيبنا الإنسان أحد هؤلاء حيث كان مطاردا من سلطات الانقلاب على
الحكومة الوطنية وكان كل بيت من أبناء القدس الأحرار مخبأ وملجأ ليعقوب زيادين ولرفاقه الأحرار.
الدكتور يعقوب زيادين هو ابن الحركة الوطنية في الأردن وأحد أهم الأقطاب في تاريخ الحزب
الشيوعي سواء في الأردن أو في الوطن العربي لم يتغير كما يتغير الكثيرون ولم تهزه الأخطاء التي
أدت إلى انهيار الحزب الأم في الاتحاد السوفيتي وكان ولا يزال مؤمنا بالماركسية اللينينيه كفكرا
إنسانيا قادرا على حل القضايا الإنسانية .
الحزب الشيوعي
تتفق أو تختلف مع هذا الرمز ولكن لا يمكن لأي إنسان محايد أو منصف إلا احترامه ، على مدى
سنوات قليلة كنت في صفوف الحزب الشيوعي وحاورت الدكتور يعقوب زيادين في الحزب وفي
عيادته الخاصة تلك التي كانت في وسط البلد وفي بيته حيث جمعتني به عشرات المرات ، فقد كان
وطنيا وقوميا وأمميا حتى النخاع ، وبعد التنكيل الذي تعرضت له من الدولة الأمنية العميقة على أثر
اعتصامي مؤسسة الموانئ عام 2009م ، وما جرى بعد ذلك من إبعادي القصري عن عملي حيث لم
تنقطع اتصالات الدكتور زيادين وغيرهم من الخيرين رغم المرض والسن ، حيث لم يتركني وحدي ،
ولن أنسى ما حييت تلك اللحظة الإنسانية عندما زرته في آخر مرة للأسف منذ ثلاثة أعوام في بيته
العامر واستقبلني مع الفاضلة زوجته سلوى زيادين ام خليل وكان يعتذر بصعوبة عن عدم إمكانيته
عمل شيء بحكم السن والمرض ووووووالخ .
ولكنه قال لي كلنا قصرنا معك وأنت ترى ما أنا به حيث لا أستطيع مساعدتك بالضغط هنا وهناك
لعودتك لعملك ، ولكن ما أستطيع عمله هو تقديم هذا المبلغ المتواضع ، وعند ذلك قلت له نحن
تلاميذك يا رفيقنا العزيز والحمد الله لست بحاجة لأي شيء واعتذرت بشدة عن قبول أي مبلغ
وشكرت له طيبته وإنسانيته
تجاهل قضيتي
في الوقت الذي تم تجاهل قضيتي من قبل الكثير ممن يزاودون بالوطنية والحرية وقبل كل شيء
خذلان زملائي في العمل حيث أداروا ظهورهم وتجاهل الجميع المأساة التي تعرضت لها باستثناء
قلة من الوطنيين الأحرار من مختلف الألوان الحزبية وغير الحزبية والنقابية والإعلامية بشكل خاص .
واليوم كم أتمنى أن أرى الدولة الأردنية تعود لذاتها وأبناءها المخلصين وأن أرى تكريما لرمز بقيمة
يعقوب زيادين وهو حي يرزق ، لا أن تتذكره الدولة بعد عقود لتكتشف أنها قصرت مع خيرة أبناءها
أمثال المناضل الكبير والدكتور الإنسان يعقوب زيادين ، حيث نقول له أن اسمك في سجل الخالدين
وضمير أحرار الأمة ولكن متى تعود إلينا دولتنا المخطوف ومواطنتنا المسلوبة ليكون الفرز على
أساس العطاء والانتماء .
فأنت أبا خليل نهرا خالدا من العطاء بلا أي مقابل إلا راحة النفس والضمير ،أعزك الله أيها الرفيق
وكل الاحترام .
الدكتور الإنسان والمناضل الكبير …. الدكتور الإنسان والمناضل الكبير


