كتب : الدكتور محمد الحناقطة الحميدات
ما أبشع أن ترى سياسيين يتربعون على قمة السلطة ثم ينحدرون بخطابهم إلى مستنقع
العنصرية والسخرية الرخيصة. لقد سقطت الأقنعة عن وجوه طالما باعت العالم شعارات
الديمقراطية والتحضر وحقوق الإنسان فإذا ببعض رموزها يكشفون عن ضحالة فكرية
وانحطاط أخلاقي لا يليق حتى بأبسط قواعد الاحترام الإنساني.
إن ما يصدر عن دونالد ترامب وبعض المحيطين به من تهكم على أسماء خصومهم وأصولهم
وأديانهم ولون بشرتهم ليس مجرد انحدار في الخطاب السياسي بل هو استعراض مقزز
للإفلاس الفكري والأخلاقي. وعندما يصبح اسم السناتور عبدالرحمن السيد مادة للتندر
والسخرية فإننا لا نكون أمام رجال سياسة يناقشون قضايا أمة بل أمام حفنة من المتنمرين
المنحطين الذين لا يجيدون سوى النباح السياسي والارتزاق على موائد الكراهية والعنصرية
يا له من مشهد بائس! رجال يملكون السلطة والنفوذ والمنابر الإعلامية لكنهم يعجزون عن
الارتقاء إلى مستوى حوار محترم. لا يواجهون الحجة بالحجة ولا البرنامج بالبرنامج ولا الفكر
بالفكر بل ينبشون في أسماء الناس وأديانهم وألوانهم وكأنهم اكتشفوا إنجازاً سياسياً عظيماً عندما
يسخرون من إنسان بسبب هويته.
مهرج عنصري
إنها قمة التفاهة السياسية أن يتحول صاحب المنصب إلى مهرج عنصري وأن تصبح الإهانة
بضاعته والكراهية رأسماله والسخرية من الآخرين وسيلته للتغطية على عجزه. هؤلاء لا
يكشفون قوة بل يكشفون هشاشة مرعبة. ولا يظهرون تفوقاً بل يفضحون عقداً دفينة وعقليات
عاجزة عن استيعاب أن العالم أكبر من أسمائهم وأوهامهم ونظرتهم المتعالية.
أما أولئك الذين يتوهمون أن السخرية من اسم عربي أو مسلم يمكن أن تحطم صاحبه فنقول لهم
إن الأسماء التي تحمل تاريخاً وثقافة وكرامة أشرف من خطابكم الملوث بالاحتقار. فالإنسان لا
عظيماً لأن اسمه مألوف لكم ولا يصبح مواطناً من الدرجة الثانية لأن دينه أو أصله لا يعجبكم.
والأكثر إثارة للسخرية أن هؤلاء يتحدثون عن عظمة أمريكا وقيادتها للعالم بينما يقدمون
نموذجاً فاضحاً للابتذال السياسي. فهل هذه هي الحضارة التي تريدون تصديرها؟ وهل هذا هو
المستوى الذي تريدون للعالم أن يتعلم منه الديمقراطية؟
نموذج صارخ للتفاهة والعجز والانحطاط
الحقيقة أن المنصب قد يمنح صاحبه الميكروفون لكنه لا يمنحه العقل ولا الأخلاق ولا الاحترام.
والسلطة قد تفرض الصمت على الآخرين لكنها لا تستطيع أن تفرض عليهم احترام صاحبها.
إن من لا يملك سوى العنصرية سلاحاً ومن لا يجد في عقله حجة فيستعين بالإهانة ومن لا
يستطيع مواجهة خصمه إلا بالسخرية من اسمه ودينه ولونه ليس قائداً عظيماً ولا سياسياً قوياً
بل نموذج صارخ للتفاهة والعجز والانحطاط.
سقط القناع وظهر الوجه الحقيقي لبعض من نصبوا أنفسهم أوصياء على الحضارة بينما
يحتاجون هم أولاً إلى درس في أبسط مبادئ الاخلاق.


