كتب : الدكتور محمد الحناقطة الحميدات
نالت الولايات المتحدة استقلالها قبل نحو قرنين ونصف من الحكم البريطاني لكنها لم تتحرر
حتى اليوم من أخطر أشكال السيطرة وهي سيطرة المال والنفوذ على القرار السياسي.
فامتلاك العلم والجيش والكونغرس والحدود لا يعني بالضرورة أن الدولة مستقلة. فالاستقلال
الحقيقي هو أن تملك الدولة قرارها وأن تكون مؤسساتها في خدمة شعبها لا في قبضة أصحاب
الثروات والاحتكارات.
من يحكم أمريكا فعلًا؟
لم يعد السؤال الأهم من يجلس في البيت الأبيض أو يترأس الكونغرس بل من يقف خلف هؤلاء
ومن يملك القدرة على توجيه قراراتهم وتحديد سياساتهم.
إنها شبكة من المليارديرات والشركات العملاقة واللوبيات السياسية وجماعات الضغط التي
تمول الحملات الانتخابية وتشتري النفوذ وتؤثر في التشريعات وتدافع عن مصالحها حتى لو
تعارضت مع مصالح ملايين المواطنين.
هذه الجهات لا تحتاج إلى الفوز في الانتخابات كي تحكم. يكفي أن تملك المال الذي يحتاج إليه
السياسيون وأن تفرض نفوذها على مراكز صنع القرار. وهكذا يصبح من يمول السلطة أقوى
ممن انتخبها. إنها سلطة لا ينتخبها الشعب ولا يحاسبها لكنها تستطيع التأثير في القوانين
والاقتصاد والسياسة الخارجية وحتى القرارات المصيرية للدولة.
ديمقراطية في الواجهة وسلطة المال في العمق
ما قيمة الانتخابات إذا كان أصحاب المليارات والشركات الكبرى قادرين على شراء النفوذ
وتوجيه المشرعين؟ وما قيمة صوت المواطن إذا كان صوت الممول الكبير أعلى منه آلاف
المرات؟
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لدولة ليس أن يستولي عليها عدو من الخارج بل أن تختطفها قوى
من الداخل وتستخدم مؤسساتها لخدمة مصالحها الخاصة.وهذا هو الاحتلال الأكثر دهاءً.
احتلال لا يحتاج إلى دبابات ولا إلى رفع أعلام أجنبية فوق المؤسسات بل يكتفي بالسيطرة على
القرار وتوجيه السياسات وإخضاع القانون لمصالح أصحاب النفوذ.والأخطر أن هذه السيطرة
تتم تحت شعارات الديمقراطية والحرية والوطنية بينما تتراجع مصالح المواطن أمام مصالح
الشركات والاحتكارات.
أمريكا بحاجة إلى استقلال ثانٍ
الاستقلال الأول حرر أمريكا من التاج البريطاني أما الاستقلال الثاني فيجب أن يحررها من
هيمنة المليارديرات والاحتكارات واللوبيات التي تتعامل مع الدولة وكأنها ملكية خاصة.
إنها بحاجة إلى استعادة مؤسساتها من قبضة أصحاب المصالح وإلى نظام لا يستطيع فيه المال
شراء القرار ولا تستطيع فيه الشركات إخضاع القانون ولا تكون فيه مصالح القلة أقوى من
إرادة الأغلبية.
فالدولة ليست شركة خاصة يديرها أصحاب رؤوس الأموال وليست مزرعة يتقاسمها أصحاب
النفوذ. إنها ملك لشعبها ومن حق هذا الشعب أن تكون مؤسساته في خدمته لا في خدمة من
يملكون المال والقدرة على شراء النفوذ.
إن السؤال الحقيقي ليس متى استقلت أمريكا عن بريطانيا بل متى ستستقل عن الذين استولوا
على قرارها من الداخل؟
لقد آن الأوان لاستقلال أمريكي ثانٍ من إمبراطورية المال والنفوذ التي تريد أن تجعل من
الديمقراطية واجهة ومن السلطة امتيازًا ومن الوطن ملكية خاصة.
فلا استقلال حقيقيًا حين يكون المال أقوى من القانون ولا ديمقراطية حقيقية حين تكون إرادة
المليارديرات أقوى من إرادة الشعب.


