بقلم :الدكتور محمد الحناقطة الحميدات
عظمة الأوطان ليست في مساحتها ولا في ثرواتها بل في محبة أهلها وأمنهم وتماسكهم.
هناك أوطان عظيمة لا تُقاس عظمتها باتساع مساحتها ولا بكثرة ثرواتها ولا بارتفاع أبنيتها بل بما يسكن قلوب أهلها من محبة وما يشعرون به من أمن وطمأنينة وما يجمع بينهم من إنسانية تتجاوز اختلاف الدين واللون والأصل.
عظمة الوطن أن تعيش فيه وأنت تشعر بأنك بين أهلك لا غريباً بينهم. أن ترى المسلم والمسيحي يتبادلان المحبة والاحترام وأن ترى الناس على اختلاف ألوانهم وأصولهم يعيشون كأنهم أسرة واحدة لا تفرقهم الاختلافات ولا تمزقهم الانتماءات. فالدين لله والوطن للجميع والإنسانية هي اللغة التي يفهمها الجميع.
وعظمة الوطن أيضاً أن تنام مطمئن البال وأن تسير في شوارعه آمناً وأن تترك أبناءك يذهبون إلى مدارسهم دون أن يساورك خوف عليهم. أن تشعر بأن الأمن ليس مجرد رجال وشرطة ومؤسسات بل ثقافة راسخة في المجتمع وثقة متبادلة بين الناس واحترام للقانون وحرص على سلامة الجميع.
ومن أجمل ما يميز هذا الوطن أن الناس فيه يعرف بعضهم بعضاً. يعرفون الوجوه والأسماء والعائلات ويتفقدون الغائب ويسألون عن المريض ويفرحون لفرح بعضهم ويحزنون لحزن بعضهم. فإذا غاب أحدهم افتقدوه وإذا ألمّت به مصيبة وجد من يقف إلى جانبه. هنا لا يشعر الإنسان بأنه مجرد رقم في سجل أو اسم في قائمة بل يشعر بأنه جزء من مجتمع يراه ويعرفه ويهتم لأمره.
وتزداد عظمة الوطن حين يشعر المواطن بأن قيادته قريبة منه تسمع صوته وتتابع شؤونه ولا تنسى أن وراء الأرقام والإحصاءات بشراً لهم احتياجات وأحلام ومخاوف. فالقائد الذي يشعر بأصغر مواطن ويهتم بكرامته وحقوقه ويحرص على أن يصل إليه أثر الاهتمام والرعاية يعزز في النفوس معنى الانتماء والمسؤولية المشتركة.
ولعل أجمل ما في هذه النعمة أننا قد نعتادها حتى نظن أنها أمر طبيعي وموجود في كل مكان. لكن عندما ننظر إلى بعض الدول المجاورة ونرى ما تعانيه مجتمعاتها من اضطرابات وانقسامات وخوف وغياب للاستقرار ندرك أن ما نعيشه ليس أمراً بسيطاً وأن الأمن والتعايش والطمأنينة نعم عظيمة لا يعرف قيمتها حقاً إلا من فقدها أو حُرم منها.
وليس المقصود أن نقارن أنفسنا بالآخرين من باب التعالي عليهم أو التقليل من شأن شعوبهم فالشعوب كلها تستحق الأمن والكرامة والحياة الكريمة . ولكن من حقنا أن نعتز بما نملكه وأن ندرك أن هناك من ينظر إلى استقرارنا وتماسك مجتمعنا بعين الإعجاب وربما يتمنى أن يعيش في وطن تتوفر فيه هذه الطمأنينة وهذه الألفة وهذا الشعور بالأمان. وقد يشعر بعض أبناء الدول المجاورة بالحسد تجاه ما ينعم به مجتمعنا من استقرار وتعايش وترابط اجتماعي لا لأنهم أقل منا قيمة بل لأن الإنسان بطبيعته يتمنى أن يجد في وطنه ما يطمئن قلبه ويحفظ كرامته.
إن الأوطان لا تُبنى بالحجارة وحدها ولا تحميها الأسوار وحدها بل تبنيها المحبة ويحميها الوعي ويصونها العدل ويقويها التلاحم بين القيادة والشعب. وما قيمة الثروة إذا كان الإنسان خائفاً؟ وما فائدة العمران إذا كان الجار لا يأمن جاره؟ وما معنى الوطن إذا كان أبناؤه لا يشعرون بأنهم ينتمون إلى أسرة واحدة؟
فلنحمد الله على نعمة الوطن الذي يجمع أبناءه رغم اختلافهم وعلى نعمة الأمن الذي يجعل الحياة ممكنة وعلى نعمة المحبة التي تجعلها جميلة. ولنحافظ على هذه النعم فلا نسمح للكراهية أن تجد طريقاً إلى قلوبنا ولا للتعصب أن يفرق بيننا ولا للاختلاف أن يتحول إلى خصومة.
فالوطن العظيم ليس هو الذي يخلو من المشكلات بل هو الذي يظل أبناؤه متحابين ومتكاتفين ويشعر فيه أضعف مواطن بأن له مكاناً وكرامة وصوتاً.
حفظ الله هذا الوطن وحفظ قيادته وشعبه وأدام عليه نعمة الأمن والأمان والمحبة والاستقرار. فبعض النعم لا ندرك عظمتها إلا عندما ننظر حولنا فنحمد الله أننا ما زلنا نعيشها.


