كتب : الدكتور محمد الحناقطة الحميدات
لا تقلقوا على الأردن ما دام فيه قائد يشعر بألم شعبه ويغضب لكرامة مواطنيه وما دام فيه
شعب يهبّ لنصرة إخوانه حين تحلّ بهم المصائب. فالأوطان لا تُقاس قوتها بما تملكه من
ثروات ولا بما تشيّده من مبانٍ ولا بما ترفعه من شعارات بل تُقاس بمواقف قيادتها ومعدن
شعبها في أوقات الشدائد.
لقد شاهدنا جميعًا معالم الغضب التي ارتسمت على وجه جلالة الملك. لم يكن غضبًا عابرًا ولا
انفعالًا عاديا بل كان موقفًا يحمل رسالة واضحة مفادها أن حياة المواطن الأردني ليست أمرًا
يمكن التهاون فيه وأن معاناة الناس ليست تفصيلًا صغيرًا يمكن تجاوزه أو تجاهله. وحين يرى
المواطن قائده يتألم لألمه ويغضب لما أصابه ويتوعد بمحاسبة كل من تسبب في ذلك فإنه يدرك
أن هناك من يحمل همّه ويضع كرامته وحياتة في صميم المسؤولية.
الأردن يستمد قوته من قيادته ومن شعبه
إن القائد الحقيقي لا يُعرف فقط في لحظات الفرح والاحتفال بل يُعرف أكثر حين تقع المحن
وتُمسّ مشاعر الناس. فالغضب حين يكون دفاعًا عن حياة وكرامة المواطنين يصبح موقفًا
مسؤولًا والوعد بالمحاسبة يصبح التزامًا والاهتمام بمشكلاتهم دليلًا على أن كرامتهم وحياتهم
موضع اهتمام.
الأردن لا يستمد قوته من قيادته وحدها بل يستمدها أيضًا من شعبه الذي أثبت مرة أخرى أن
معادن الرجال والشعوب لا تظهر في أيام الرخاء بقدر ما تظهر في أوقات الشدة. ففي المحن
تسقط الأقنعة وتتراجع الخلافات وتنكشف حقيقة الروابط التي تجمع الناس. هناك شعوب تكتفي
بالتعاطف من بعيد أما الأردنيون فقد اختاروا أن يجعلوا من تعاطفهم فعلًا ومن حزنهم عطاءً
ومن أخوتهم موقفًا لا يُنسى.
التبرع بالدم لإنقاذ المصابين
تأملوا ذلك المشهد الذي يتسابق فيه الأردنيون إلى التبرع بالدم لإنقاذ إخوانهم المصابين. يقف
الواحد منهم منتظرًا دوره لا يريد ثناءً ولا يبحث عن شهرة ولا يسأل عن اسم المصاب أو
منطقته أو انتمائه. كل ما يعنيه أن هناك إنسانًا يحتاج إلى الدم وأن قطرة من دمه قد تكون سببًا
في إنقاذ حياة إنسان آخر. في تلك اللحظات لا تكون الكلمات هي التي تعبّر عن الأخوة بل الدم
الذي يُقدَّم بسخاء والقلوب التي تنبض بالرحمة والأيادي التي تمتد دون تردد.
أيُّ انتماء أعظم من هذا؟ وأيُّ أخوة أصدق من أن يحزن الإنسان لحزن أخيه ويبكي لمصابه
ويشعر أن الوجع الذي أصابه قد أصاب بيته وأهله؟ لقد أثبت هؤلاء الأردنيون أن الأخوة ليست
مجرد كلمة تُقال في المناسبات وأن الانتماء ليس شعارًا يُرفع عند الحاجة بل هو سلوك يظهر
حين يحتاج إليك الآخرون. إنهم لم يكتفوا بمواساة المصابين وأهلهم بل حملوا جزءًا من ألمهم
وحوّلوا مشاعرهم إلى عمل قد يمنح إنسانًا فرصة جديدة للحياة.
قوة الأوطان لا تكمن في حدودها
سلام على كل أردني هرع للمساعدة وعلى كل يد امتدت بالعطاء وعلى كل قلب تألم وعلى كل
عين ذرفت الدموع حزنًا على المصابين. سلام على كل من شعر أن مصيبة أخيه مصيبته وأن
واجبه الإنساني والوطني يقتضي منه أن يفعل ما يستطيع دون انتظار مقابل. فهؤلاء هم الذين
يصنعون معنى الوطن الحقيقي وهؤلاء هم الذين يجعلون المجتمع أكثر تماسكًا ويمنحون الأمل
في أحلك اللحظات.
إن قوة الأوطان لا تكمن في حدودها وحسب بل في قلوب أبنائها أيضًا. والوطن الذي يقف فيه
الناس إلى جانب بعضهم في المحن هو وطن يمتلك من المناعة المعنوية ما لا تمنحه الأموال
ولا توفره الشعارات. وحين يشعر المواطن بأنه ليس وحيدًا في مصيبته وأن هناك من يشاركه
ألمه ويقف إلى جانبه فإن هذه الثقة تصبح أساسًا متينًا للوحدة والاستقرار.
لذلك أقولها بكل ثقة: لا تقلقوا على الأردن… فالأردن بألف خير.
الأردن بخير ما دامت فيه قيادة لا تقبل أن تكون كرامة وحياة مواطنيها أمرًا هامشيًا وما دام
فيه شعب يتسابق أبناؤه إلى نجدة بعضهم ويتقاسمون الألم قبل الفرح ويقدمون من دمائهم
وأوقاتهم وجهودهم ما يستطيعون لإنقاذ إخوانهم. الأردن بخير ما دامت هذه الروح حية في
نفوس الأردنيين وما دام الوطن أكبر من كل خلاف والمواطنة أسمى من كل انتماء ضيق
والأخوة فعلًا لا مجرد كلمات.
قد تقع المصائب وقد تشتد المحن وقد تترك الأحداث جراحًا عميقة في النفوس لكن الشعب الذي
يتكاتف في أوقات الشدة لا تنال منه المحن بسهولة بل يخرج منها أكثر وعيًا بقيمة وحدته وأكثر
إدراكًا لحاجته إلى بعضه البعض.
حفظ الله الأردن قيادةً وشعبًا وأدام عليه نعمة الأمن والاستقرار وجعل المحبة والتراحم والتكافل
عنوانًا دائمًا لأبنائه.
فما دام الأردني يشعر بألم أخيه وما دام يهبّ لنجدته وما دامت دموعه تتحول إلى عطاء
ومواقفه إلى أفعال فإن الأردن سيبقى بإذن الله وطنًا عزيزًا بأهله قويًا بوحدته راسخًا بتماسك
شعبه.
لا تقلقوا على الأردن
لا تقلقوا على الأردن… فالأردن بألف خير لأن خيره الحقيقي يكمن في قيادته وشعبه وفي تلك
القلوب التي لا تترك أخًا لها يواجه المحنة وحده.


