بقلم المحامي علي بريزات
بحثت في المعاني والمصطلحات عن وصفٍ يشفي الغليل ويعبّر عن هول الجريمة التي
استهدفت مشيّعي جنازة داخل كنيسة في قرية حمود، فلم أجد وصفًا يوازي فظاعتها. وبحثت
وسالت عن دين أو معتقد أو مبرر يمكن أن يسوّغ هذه الجريمة الكارثية، فلم أجد؛ فالأديان
السماوية والمعتقدات الإنسانية جاءت لتكريم الإنسان والسمو به لا لاستباحة دمه وإهدار
كرامته.
حقيقة جريمة حمود الإرهابية وحكم الأديان فيها
منذ الأمس، تتوالى التسجيلات والآراء الغاضبة، وبعضها ينطلق من الجهل والانفعال، ويوزّع
الاتهامات جزافًا ويؤجّج الفتنة. والمؤسف أن كثيرًا منها يصدر عمّن يحملون الإسلام بالهوية،
وهم يعلمون أن الإسلام دين الله، دين العدل والرحمة والإنسانية، ولا يمكن أن تبرّر تعاليمه قتل
أناس مسالمين آمنين يشيّعون جنازة في كنيسة.
المسيحيون والمسلمون في الأردن عاشوا قرونًا من الأخوّة والجيرة والعيش المشترك، ولم
نعرف في مجتمعنا جريمة بهذه الصورة البشعة. فما جرى ليس خلافًا دينيًا، بل جريمة تكشف
خطر الجهل والتخلّف وانعدام الوعي، وتستدعي وقفة وطنية مسؤولة تحمي المجتمع من الفتنة.
أين التقصير الأمني في جريمة حمود الإرهابية؟
لكن السؤال الذي لا يجوز الهروب منه: أين كانت الأجهزة الأمنية؟ وأين كانت المتابعة
الاستباقية للخلايا التي قد تشكّل خطرًا على أمن المواطنين؟ إن وقوع هذه الجريمة يفرض
تحقيقًا جادًا وشفافًا في مدى التقصير الأمني، وفي أسباب عدم اكتشاف مرتكبيها ومنع جريمتهم
قبل وقوعها.
لقد انشغلت الأجهزة الأمنية، بملاحقة الحراكيين والمطالبين بالإصلاح ومكافحة الفساد والتصيّد
لهم على صفحات التواصل الاجتماعي، ومحاربتهم والتنكيل بهم واعتقالهم، رغم أنهم مطالبهم
كانت واضحة وعلى رؤوس الأشهاد : الإصلاح والعدالة وتكافؤ الفرص ودولة المؤسسات
والقانون التي يتساوى فيها جميع الأردنيين. وفي المقابل، رأينا الأموال تُغدق ، والسحيجة
والمنافقين والرويبضات يتبوؤون مواقع سياسية واجتماعية، على حساب الكفاءة والموقف
الوطني.
انشغال الأجهزة عن الخطر الحقيقي
وتُركت قضايا أخطر تمسّ أمن المجتمع ومستقبله، فيما جرى الاعتماد على مخبرين ومصادر
هابطة لا يؤتمنوا على وطن ولا يعنيهم إلا فتات المنافع، بعيدًا عن الخلق والدين والأمانة.
نعم، هناك تقصير أمني وحكومي يستوجب المساءلة، ولا يجوز أن تُدفن الأسئلة تحت ركام
التصريحات. والحكومات المتعاقبة لم تدرك أن الجهل والفقر والبطالة والفساد والاستبداد
والاستحواذ على مقدرات الدولة بيئة خطرة تهدّد المجتمع وتضرب الثقة بين المواطنين فيما
بينهم وفيما بينهم وبين مؤسسات الدولة.
الواجب اليوم ليس تبادل الاتهامات ولا إشعال الفتنة بين المسلمين والمسيحيين، بل كشف
الحقيقة كاملة، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته، ومراجعة أوجه التقصير، وحماية الأردنيين
جميعًا دون تمييز.
دماء الأبرياء ليست مادة للمزايدات، وأمن الأردنيين ليس مجالًا للمجاملة، ووحدة المجتمع
ليست شعارًا يُرفع بعد الكوارث.
حمى الله الأردن وأهله من الفتنة
الرحمة للضحايا، والعزاء الحار لأهلنا وأصدقائنا عشيرة الهلسا الكرام، ولأهالي قرية حمود ومحافظة الكرك، وللأردنيين جميعًا. حمى الله الأردن وأهله من الفتنة والفساد والجهل، وأنصف الضحايا بكشف الحقيقة وتحقيق العدالة.


