م.خالد باز حدادين**
قيل إنّ الحافلة انزلقت مع بداية المطر. لكنّ الانزلاق يفسّر خروجها عن مسارها، ولا يكفي
لتفسير سقوطها في الهوّة. السؤال الذي لا ينبغي تجاوزه: أين كانت الحماية التي يفترض أن
تخفّف عواقب هذا الخروج؟ وهل خطأ بسيط لانسان مبرر لموت مبكر واصابات تعيش مع
العمر.وما ينطبق على هذا الموقع ينطبق على عدد غير محدود من المواقع..
نعرف أنّ المطر قد يجعل الطريق زلقًا، وأنّ السائق قد يخطئ، وأنّ المركبة قد تفقد تماسكها.
ولهذا وُجدت هندسة السلامة: لتمنح الإنسان فرصة حين يحدث الخطأ، وتمنع، بقدر المستطاع،
تحوّل لحظة عابرة إلى مأساة دائمة. وعند حافة خطرة على طريق رئيسي يحمل الحافلات
والمركبات الثقيلة، تصبح الحماية الجانبية ضرورة تُحدّد بالدراسة، ويُحاسَب على غيابها أو
قصورها.
لا أبني أملي على تحقيق هندسي شامل يعيد قراءة الطريق والمركبة والحماية وتسلسل
الاصطدام؛ فهذا المستوى من التحقيق ليس ممارسة مؤسسية راسخة لدينا. وغالبًا ما ينتهي
التفسير عند السرعة أو الانزلاق أو خطأ السائق، وتبقى مساهمة الطريق في تضخيم نتائج
الحادث خارج السؤال. وهكذا نعرف سببًا محتملًا لبدء الحادث، ونترك أسباب فداحته ونتائجه
في الظل.
ولومي للدوائر المختصة يتّجه إلى الجهل الهندسي بالتفاصيل. فقد يكون الاهتمام موجودًا، لكنّ
الاهتمام لا يختار حاجزًا مناسبًا، ولا يحدّد قدرته على احتواء حافلة، ولا يضمن سلامة تثبيته.
يفعل ذلك علم متخصص، ومراجعة جادّة، ومسؤولية واضحة عمّن يقرّر وعمّن ينفّذ ويستلم.
الحاجز ليس أيّ حديد يُثبَّت، ولا أيّ خرسانة توضع على جانب الطريق. فالحواجز أنواع ولكل
نوع قدرة احتواء، ومسافة يحتاجها ليعمل، وطول ونهايات وتثبيت. وما يناسب سيارة صغيرة
لا يجوز افتراض كفايته لحافلة تحمل عشرات الأرواح. تلك التفاصيل التي قد تبدو ثانوية في
الأوراق تصبح حاسمة حين تصطدم بها مركبة.
ومضت أيام على الفاجعة، ولم أرَ معالجة ظاهرة للموقع تطمئنّ العابرين. وأخشى أن يكون الردّ
على هذه الكلمات تركيب حاجز سريع يكتمل به المشهد، من دون التحقّق من قدرته على
الحماية. عندها نعالج القلق العام، ويبقى الخطر الهندسي قائمًا.
الشتاء لم يبدأ بعد. ستأتي أمطار أخرى، وستمرّ حافلات أخرى، ولا يجوز أن نترك سلامة
ركّابها معلّقة بحسن الحظ. المطلوب كشف عاجل من مختصين، وحماية مؤقتة مدروسة، ثم
معالجة دائمة تناسب الموقع وحركة المركبات عليه، ومراجعة المواقع المشابهة قبل أن تعرّفنا
إليها مأساة أخرى.
وقد شُكّل في الأردن مجلس أعلى للسلامة المرورية، لكنني لم أرَ له حضورًا في المجال يعكس
فخامة الاسم (مجلس أعلى) حتى أمام هذه الحوادث الأليمة؛مثل هذا الحادث و حادث طريق
وادي اليتم حيث فقدنا اربعة شباب من ابناء الوطن ..لم نسمع اي تعليقًا يوضح، ولا مبادرة
معلنة لدراسة الخلل وتحديد المسؤوليات وتنسيق المعالجة. لا ادري لماذا المجالس اسماُ
وعناوين في الواجب المفروض عليها و فعلا وواقعاً في مكافاءات أعضائها -، فيما تُترك
سلامة الناس لموعد لا نعرفه مع الحادث المقبل.
سيكبر طفلان وفي حياتهما مكان لا يملؤه أحد. كانت أمّهما مهندسة، في بداية عمرها وأحلامها،
ثم انتهت رحلتها في حادث الحافلة عند بداية طريق المطار. وفي الخبر، أصبحت «وفاة»،
وأصبح أربعون إنسانًا «إصابات». أمّا في البيوت، فلكلّ واحد اسم ووجه وحياة تعطّلت،
وللبعض أوجاع قد تبقى طويلًا بعد أن ننسى الخبر. لن يعيد الحاجز أمًّا إلى طفليها. لكنّه قد
يحفظ أمًّا أخرى في طريق عودتها.
ذلك هو معنى التفاصيل الهندسية: أن يصل الانسان إلى بيته ، بدل أن يصل خبره .
**مختص في هندسة النقل والمرور


