بقلم: د. علي عبد اللطيف النسور
أثارت التشكيلات الجديدة لمجالس أمناء الجامعات الرسمية في الأردن سؤالًا يتجاوز أسماء
الأشخاص الذين تم اختيارهم إلى فلسفة الاختيار نفسها: هل ما زلنا نبحث عن الخبرة في
الدوائر ذاتها، أم أن الوقت قد حان لتوسيع دائرة المشاركة وإفساح المجال أمام كفاءات أكاديمية
وبحثية واقتصادية وإدارية جديدة؟
لا يتعلق النقاش هنا بالطعن في كفاءة أي شخصية جرى اختيارها، فكثير من الأسماء الواردة
في التشكيلات تمتلك خبرات سياسية وأكاديمية وإدارية ممتدة، ولا يمكن إنكار ما قدمته للدولة
ومؤسساتها. لكن القضية أوسع من تقييم الأشخاص؛ إنها تتعلق بقدرة الدولة على تجديد نخبها،
واكتشاف خبرات جديدة، وإيصال رسالة واضحة بأن الكفاءة والإنجاز والابتكار يمكن أن تفتح
الطريق أمام أصحابها للمشاركة في مواقع صنع القرار.
الجامعات اليوم لم تعد مؤسسات لمنح الشهادات فقط. إنها جزء أساسي من منظومة التنمية
الاقتصادية، والابتكار، والبحث العلمي، والتحول الرقمي، وريادة الأعمال، وبناء رأس المال
البشري. وبالتالي، فإن مجلس أمناء الجامعة ينبغي أن يعكس هذا التحول، وأن يجمع بين الخبرة
المتراكمة والفكر الجديد، وبين أصحاب التجربة الطويلة والباحثين والمبتكرين وأصحاب
المشاريع العلمية الحديثة.
وهنا يبرز السؤال: لماذا لا تكون هناك آلية أكثر انفتاحًا ووضوحًا لاختيار أعضاء مجالس
الأمناء؟ ولماذا لا تُعلن معايير الاختيار بصورة تسمح للأكاديميين والباحثين والخبراء
الأردنيين بمعرفة الطريق الذي يمكن أن يقودهم إلى مثل هذه المواقع؟
الأردن يمتلك آلاف الأكاديميين والباحثين والخبراء في الداخل والخارج، وبينهم من يحمل
شهادات من جامعات عربية وعالمية مرموقة، ومن يمتلك أبحاثًا ومؤلفات ومبادرات ونظريات
ومؤشرات وأفكارًا قابلة للتحول إلى مشاريع وطنية. بعض هؤلاء ربما لم يتولَّ منصبًا وزاريًا
أو موقعًا سياسيًا رفيعًا في حياته، لكن ذلك لا يعني أن خبرته أقل قيمة أو أن قدرته على
الإضافة أقل أهمية.
بل إن أحد أهم مؤشرات نجاح الإصلاح الإداري هو قدرة الدولة على اكتشاف الكفاءات قبل
أن تصبح أسماء معروفة، لا أن تظل المناصب العليا تدور في نطاق الأسماء التي سبق أن
شغلت مواقع عامة.
ولذلك، فإن النقاش حول مجالس الأمناء ليس نقاشًا حول العمر، فالعمر بحد ذاته ليس معيارًا
للكفاءة أو عدمها، كما أن الخبرة الطويلة قيمة يجب احترامها والاستفادة منها. المسألة هي
تحقيق التوازن بين الخبرة والتجديد، وبين ذاكرة الدولة ومستقبلها.
ومن هنا يمكن التفكير في نموذج أكثر مؤسسية يقوم على إعلان معايير واضحة للعضوية،
وفتح باب الترشيح أو إنشاء قاعدة بيانات وطنية للكفاءات الأكاديمية والبحثية والمهنية، وتحديد
مؤشرات موضوعية تتعلق بالإنجاز العلمي والخبرة الإدارية والابتكار والقدرة على بناء
الشراكات وخدمة الجامعة والمجتمع.
مثل هذه الآلية لا تنتقص من صلاحية الدولة في الاختيار، وإنما تعززها؛ لأنها توسع أمام
صاحب القرار قاعدة الخيارات وتمنحه فرصة الوصول إلى كفاءات قد لا تكون موجودة في
الدوائر التقليدية للترشيح.
وفي هذا السياق، فإن المسؤولية تقع أيضًا على حكومة الدكتور جعفر حسان في تكريس مفهوم
تجديد النخب الذي يتناسب مع خطاب التحديث الإداري والاقتصادي. فالتحديث لا يتحقق
بالتشريعات والهياكل وحدها، وإنما يحتاج كذلك إلى توسيع قاعدة المشاركة وإتاحة الفرصة
لأجيال وخبرات وأفكار جديدة للدخول إلى مؤسسات صنع القرار.
لدينا في الأردن طاقات كبيرة، وبعضها يعمل ويبحث ويؤلف ويبتكر بعيدًا عن الأضواء. ومن
حق الدولة أن تستفيد منها، ومن حق هذه الكفاءات أن تجد مسارًا واضحًا وعادلًا للوصول إلى
المواقع التي تستطيع من خلالها خدمة وطنها.
لسنا بحاجة إلى إقصاء أصحاب الخبرة حتى نتيح المجال للجدد، ولا إلى تجاهل الجدد حتى
نحافظ على أصحاب الخبرة.
ما نحتاجه هو دولة تجمع الاثنين.
فالجامعة التي نريدها للمستقبل تحتاج إلى مجلس أمناء يجمع الحكمة بالتجديد، والخبرة
بالابتكار، والتجربة بالفكر الجديد.
والسؤال الذي ينبغي أن يبقى مفتوحًا أمامنا جميعًا ليس: من تم تعيينه؟
بل: كيف نضمن أن كل كفاءة أردنية حقيقية لديها فرصة عادلة لأن تُرى؟
اختيار مجالس أمناء الجامعات … اختيار مجالس أمناء الجامعات


