د. عبدالله الطوالبة
مفهوم ذو نشأة فلسفية، تباينت رؤى الفلاسفة والمفكرين والعباقرة بشأنه. تعود جذوره التاريخية إلى الأفلاطونية، وتأسست معالمه بشكل رئيس في مؤلَّف أرسطو “علم النفس”.
أدرجه أفلاطون في سياق التعامل مع الأوهام، وتشتيت الانتباه عن الواقع. وعلى العكس من ذلك، عَدَّه أرسطو أحد أسس المعرفة.
بحسب أرسطو، الخيال حركة ذهنية ناتجة عن المُدركات الحسية. وقد ركَّزَ على دور البصر في ادراك المحسوسات، واعتماد التخييل عليها.
لا تخيُّلَ من دون تفكير، ولا تفكير من دون صور عقلية. الخيال يحرك الصور العقلية، فيحولها إلى أشياء قابلة للقياس العقلي. على هذا الأساس الارسطي، يتخطى الخيال الاحساس ويغدو شرطًا ضروريًّا للفكر. بمنظور أرسطو، العقل يُدرِك حقائق الأشياء وصورها عن قوة الوهم والتخييل، ويقرر ما اذا كان المُدركُ مطلوبًا أو العكس.
الحس والخيال، مادة العقل عند ارسطو. وعند إيمانويل كانط، الخيال عنصر فعَّال في العملية الابداعية، حيث ينقل ما في الذهن إلى الواقع فيجعله ممكنًا.
في الاتجاه ذاته ذهب برناردشو، حيث يرى الخيال بداية الابداع. فالمرء يتخيل ما يرغب به، ويرغب فيما يتخيله، وأخيرًا يصنع ما يرغب فيه. بيان ذلك، أن التَّخَيُّل يبدأ برسم صورة أولى لما لا نمتلكه ولم نَرَه في العقل. يلي ذلك تعلق القلب والتحام الارادة بها، فتتحول إلى هدف. والنتيجة، تحوُّل الهدف إلى واقع محسوس. وعليه، فالخيال ليس منفصلًا عن الواقع المادي، ولا يمكن ادراجه في اطار التهويم غير المُدرك. إنه ثمرة التفاعل بين النشاطين النفسي والذهني، فيثمر هدفًا واستعدادًا يَلِدان قدرات باهرة تبتكر الجديد. بالخيال إذن، يتوسع عالم الانسان، ويُنتِج أفكارًا ابداعية جديدة تُترجم إلى اختراعات وابتكارات.
من هذا المنطلق، يقرر ألبرت اينشتاين أن علامة الذكاء الحقيقية ليست المعرفة بل القدرة على التَّخَيُّل. وبمنظوره أيضًا، الخيال أهم من المعرفة.
تأسيسًا على ما تقدم، صار بمقدورنا تأكيد ارتباط الابداع بالتخييل. ولو لم يكن الانسان يتخيل ويطمح ويفكر لما أنجز ما توصل إليه من اختراعات وابتكارات، أحدثت نقلات هائلة في الارتقاء بمستوى حياته ورفاهيته وتعاظم قوته.
فالسماء، على سبيل المثال لا الحصر، ألهبت خيال الانسان بالتحليق في الأعالي. فقد تخيل نفسه طيرًا، مستلهمًا خفق الأجنحة في سماء الطبيعة. وما كاد الخيال ينضج حتى أثمر طموحات صِيغت في تجارب، فانتهت إلى صناعة الطيران. ولا أظننا نبالغ في القول، بأن الخيال كان اللبنة الأولى لكل ما توصل إليه الإنسان من كشوفات علمية واختراعات تكنولوجية.
ينطلق الإنسان من خياله أولًا، ليأتي بأي عمل. ولو أُتيح له وضع تفكيره تحت المجهر وتأمُّل آلية عمله، لتأكد له أن تصرفاته مرتبطة بالصور المرسومة في خياله. على هذا الأساس نفهم ما ذهب إليه تشارلز داروين في قوله:” الخيال يوحد الصور والأفكار السابقة، وبالتالي يخلق نتائج رائعة”.


