عماد عبدالقادر عمرو
لم يعد الذكاء الاصطناعي قضية تخص المختبرات وشركات التكنولوجيا، ولا حديثاً عن مستقبل بعيد. إنه واقع يتوسع يومياً في التعليم والصحة والاقتصاد والإعلام والإدارة والخدمات، بينما تتسارع قدراته بوتيرة تفوق أحياناً قدرة المؤسسات والمجتمعات على فهم مخاطره وتنظيم استخدامه.
لهذا تستحق تحذيرات عالم الحاسوب والحائز على جائزة نوبل جيفري هينتون، أحد أبرز الذين أسهموا في تطوير الذكاء الاصطناعي الحديث، أن نتوقف عندها بجدية. فالتسابق العالمي لا يتوقف عند تطوير أدوات أكثر كفاءة، بل يتجه نحو أنظمة أكثر استقلالية وقدرة على التخطيط والتنفيذ، في وقت لا تزال فيه البشرية تبحث عن أفضل السبل لضمان بقاء الإنسان قادراً على ضبط هذه القدرات.
ولا يتعلق الأمر بسيناريوهات الخيال العلمي، ولا يعني أن الآلات أصبحت واعية أو قررت السيطرة على الإنسان. الخطر الأكثر واقعية يبدأ عندما نمنح نظاماً شديد القدرة صلاحيات واسعة وبيانات حساسة وحرية تنفيذ مهام متتابعة من دون رقابة بشرية كافية.
وهنا يبدأ السؤال الأردني.
الأردن لا يستطيع الوقوف خارج هذه الثورة، ولا ينبغي له ذلك. فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يفتح فرصاً حقيقية في التعليم والصحة والسياحة والصناعة والخدمات الحكومية والأمن السيبراني، لكن الاستفادة منه يجب أن تسير بالتوازي مع بناء القدرة على فهم مخاطره والحد منها.
والأردن ليس في نقطة الصفر. لدينا استراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعي وخطة تنفيذية، وهناك عمل على قياس جاهزية مؤسسات القطاع العام. المطلوب الآن الانتقال من الاستراتيجية إلى الجاهزية الفعلية: اختبار الأنظمة، قياس المخاطر، تحديد المسؤوليات، وبناء قدرة وطنية على التعامل مع أي خلل أو إساءة استخدام.
ومن أخطر الملفات التزييف الرقمي. ففي زمن يمكن فيه تقليد الصوت والصورة، قد ينتشر تسجيل مزيف لمسؤول أو شخصية عامة خلال دقائق، ولا تعود المشكلة مجرد معلومة كاذبة، بل تصبح مسألة ثقة عامة. لذلك نحتاج إلى قدرة وطنية سريعة على التحقق من المحتوى الرقمي وكشف التزييف وتصحيح المعلومات قبل أن تتحول الشائعة إلى أزمة.
وفي مؤسسات الدولة يجب أن تكون القاعدة واضحة: الذكاء الاصطناعي يساعد الإنسان في القرار، لكنه لا يعفي الإنسان من مسؤولية القرار. وكل قرار يمس حقوق المواطن أو أمنه أو ماله أو مستقبله يجب أن يبقى وراءه إنسان معروف المسؤولية.
أما التعليم، فلا يكفي أن نعلّم أبناءنا استخدام هذه الأدوات، بل يجب أن نعلّمهم كيف يتحققون من مخرجاتها، ويحافظون على بياناتهم، ويميزون بين الحقيقي والمصطنع، ويدركون أن قدرة الآلة على إنتاج إجابة لا تعني بالضرورة صحة الإجابة.
والاستثمار الأهم هو في الكفاءات الأردنية. فلدينا طاقات شابة وخبرات في الأمن السيبراني والجامعات والقطاع التقني يمكن البناء عليها لإعداد متخصصين في أمن الذكاء الاصطناعي وسلامته وحوكمته، حتى لا نبقى مجرد مستخدمين لتقنيات يصنعها الآخرون.
وهذا يجعل الذكاء الاصطناعي ملف دولة ومجتمع معاً. الحكومة تضع القواعد وتبني أنظمة الرقابة والاستجابة، والمؤسسات تستخدم التكنولوجيا بمسؤولية، والإعلام يتحقق قبل النشر، والمدرسة والجامعة تبنيان الوعي، والمواطن يتعامل مع المحتوى الرقمي بعقل نقدي.
لا نحتاج إلى مزيد من الأوراق بقدر حاجتنا إلى اختبار ما لدينا، ومعرفة نقاط الضعف، وقياس جاهزية مؤسساتنا، والتدرب على التعامل مع الحوادث قبل وقوعها.
تحذير هينتون يجب ألا يدفعنا إلى الخوف من المستقبل، بل إلى الاستعداد له. فالذكاء الاصطناعي ليس عدواً، لكنه أيضاً ليس قوة يمكن منحها ثقة مطلقة.
قبل أن تتجاوزنا الآلة، علينا أن نتأكد أننا نملك المعرفة والقدرة والقواعد التي تجعلها تعمل لصالح الإنسان والوطن.
فالتفوق في عصر الذكاء الاصطناعي لن يكون في امتلاك التكنولوجيا وحدها، بل في القدرة على فهمها وضبط استخدامها وتوجيهها لخدمة الإنسان والدولة والمجتمع.
وهذا سؤال أردني لا يحتمل أن نؤجله إلى الغد.
رئيس مجلس محافظة العقبة سابقاً


