كتب : فواز الهروط
في كل عام، يأتي موعد نتائج التوجيهي محمّلًا بمزيج غريب من المشاعر؛ فرحٌ يملأ البيوت، وقلقٌ يطرق القلوب، وأمنياتٌ تكبر أحيانًا حتى تتجاوز حدود الواقع. وبينما ينتظر الطلبة وذووهم الأرقام التي ستحدد الخطوة التالية في مسيرتهم التعليمية، يظهر سؤال مهم: هل ما زلنا ننظر إلى نتائج التوجيهي بعين العلم والمنطق، أم أننا أحيانًا نترك للخيال مساحة أكبر من اللازم؟
التوجيهي محطة مهمة، لكنه ليس نهاية الطريق، كما أن العلامة المرتفعة ليست وحدها معيار النجاح في الحياة. فالطالب الذي يحصل على معدل عالٍ يمتلك فرصة جميلة، لكن الفرصة الحقيقية تبدأ عندما يحسن اختيار تخصصه، ويطور قدراته، ويعرف أن الشهادة تحتاج إلى علم ومهارة وإصرار حتى تتحول إلى إنجاز.
وفي المقابل، فإن انخفاض المعدل لا يعني سقوط الإنسان أو انتهاء مستقبله. كم من طالب لم تمنحه نتيجته ما كان يحلم به، لكنه صنع لنفسه طريقًا مختلفًا، ونجح في مجالات لم تكن العلامة المدرسية وحدها قادرة على قياسها.
المشكلة تبدأ عندما يتحول التوجيهي من مقياس أكاديمي إلى مقياس لقيمة الإنسان. بعض الأسر تتعامل مع المعدل وكأنه شهادة نجاح للأسرة بأكملها، وبعض الطلبة يعيشون تحت ضغط المقارنة: ابن فلان حصل على كذا، وابنة فلان دخلت التخصص الفلاني، وكأن مستقبل الإنسان نسخة يجب أن تتطابق مع مستقبل الآخرين.
الحقيقة أن العلم لا يُقاس برقم فقط، والإنسان لا يُختصر في معدل.
نتائج التوجيهي يجب أن تكون بداية لا نهاية؛ بوابة نحو مرحلة جديدة تحتاج إلى وعي في اختيار التخصص، وواقعية في تحديد الطموحات، واستعداد للعمل والاجتهاد. أما الخيال، فمكانه أن يمنحنا الطموح، لا أن يجعلنا نبني مستقبلنا على أوهام لا علاقة لها بقدراتنا أو بواقع سوق العمل.
وفي يوم النتائج، فلنفرح بالنجاح، ولنقف إلى جانب من لم يحالفه الحظ. فالكلمة الطيبة في هذه اللحظة قد تكون أهم من العلامة نفسها، والدعم النفسي قد يفتح أمام طالبٍ تعثر اليوم طريقًا واسعًا للنجاح غدًا.
التوجيهي امتحان، وليس حكمًا نهائيًا على الإنسان.
والعلامة رقم، أما العلم الحقيقي فهو ما يبقى مع الإنسان طوال حياته.


