كتب : اسامه ابو طالب
اليوم تُطوى صفحة من عمر مجالس إدارات الغرف التجارية، أما التجربة فلا تُطوى؛ لأن
بعض التجارب لا تنتهي بانتهاء مدتها، بل تبدأ قيمتها الحقيقية عندما نجلس أمامها ونسأل: ماذا
تعلّمنا؟ وماذا تركنا؟ وماذا كان ينبغي أن نفعل بصورة أفضل؟
دخلت هذا المعترك العام وكلي إيمان بأن غرفة التجارة ليست مبنىً تُفتح أبوابه صباحًا وتُغلق
مساءً، وليست مقاعد مجلس، ولا محاضر واجتماعات ومؤتمرات وصورًا توثّق حضورنا.
الغرفة في معناها الحقيقي مؤسسة اقتصادية وبيتٌ للتاجر؛ تقرأ حركة السوق، وتحمي مصالح
أعضائها، وتفهم التحولات قبل أن تتحول إلى أزمات، وتحمل صوت الاقتصاد إلى حيث يُصنع
القرار.
هذه القناعة لم تأتِ من الكتب وحدها.
فقد كان لي شرف أن أتربى مهنيًا بين تجار علّموني أن السمعة رأس مال، وسياحيين علّموني
أن المكان لا يكفي ما لم نحسن صناعة تجربته، وصناعيين علّموني أن القيمة لا تُخلق إلا
بالعمل والإنتاج، ونقابيين علّموني أن الحقوق لا يحميها الصوت المرتفع بقدر ما تحميها
المؤسسة القوية والحجة والمعرفة.
دخلت التجربة بهذه القناعة، وأخرج من مرحلتها اليوم أكثر إيمانًا بها، ولكن أيضًا أكثر يقينًا
بأن أمام غرفنا التجارية الكثير الكثير مما ينبغي أن يتغير ويتطور.
لم أكن راضيًا عن كل ما جرى، ولم أعتقد يومًا أن واجب عضو مجلس الإدارة أن يكون راضيًا
عن كل شيء.
اختلفت عندما رأيت في الاختلاف واجبًا، وقلت رأيي عندما اعتقدت أن الصمت لا يخدم
المؤسسة، وفي المقابل احترمت كل جهد صادق وكل فكرة نافعة وكل إنجاز تحقق؛ لأن
الإنصاف أيضًا وجه من وجوه الأمانة.
فالعمل العام، في جوهره، أمانة قبل أن يكون سلطة، وتكليف قبل أن يكون تشريفًا.
يقول الله سبحانه وتعالى:
﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا
الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾.
ولعل أصعب امتحانات الأمانة في العمل العام أن يستطيع الإنسان أن يفصل بين المؤسسة
وشخصه، وبين ما يريده لنفسه وما تحتاجه المصلحة العامة.
فالسؤال ليس: ماذا أضاف إليّ الموقع؟
بل: ماذا أضفت أنا إلى الموقع؟
ماذا تركنا للتاجر؟..ماذا أضفنا للاقتصاد؟
وماذا بقي في المؤسسة بعد أن غادرنا مقاعدها؟
ومن أسمى معاني الانتماء في نظري أن نعمل بعقل المؤسسة وروح الفريق، وأن نقدم المصلحة
العامة حتى عندما لا تتطابق مع مصالحنا الخاصة.
فالـ«أنا» عندما تتضخم داخل المؤسسات لا تكبر معها المؤسسة، بل يحدث العكس تمامًا؛
يضيق القرار، ويتراجع الفريق، ويصبح الموقع غاية بعدما كان يفترض أن يكون وسيلة.
وهنا تحديدًا أرى مساحة كبيرة للمرحلة القادمة.
نحن لا نحتاج غرفة أقل اجتماعات أو مؤتمرات أو فعاليات؛ فهذه كلها أدوات ضرورية، وقد
تكون شديدة الأهمية حين توضع في مكانها الصحيح. لكننا نحتاج إلى الانتقال من عدّ النشاط
إلى قياس الأثر.
فالاقتصاد لا يسألنا كم اجتماعًا عقدنا، بل ماذا تغير بعد الاجتماع.ولا كم مؤتمرًا استضفنا، بل
ما الفرص التي بقيت بعد أن غادر ضيوفه.ولا كم مذكرة كتبنا، بل كم قضية للتاجر تحولت من
شكوى إلى حل.
وهنا أرى مستقبل غرفة التجارة.
غرفة تمتلك المعرفة قبل الموقف، والرقم قبل الخطاب، والحجة قبل المطالبة.
غرفة تقرأ مؤشرات السوق، وكلفة ممارسة الأعمال، وحركة الاستثمار، والسياحة، والتجارة،
والنقل واللوجستيات، وتعرف أين تتراجع تنافسية العقبة وأين تكمن فرصها.
غرفة لا تنتظر أزمة التاجر حتى تصل إلى بابها، بل تبني من البيانات إنذارًا مبكرًا، ومن
المعرفة موقفًا اقتصاديًا، ومن الموقف شراكة، ومن الشراكة نتيجة يمكن قياسها.
وأؤمن أيضًا بأن اقتصاد المدن لا يُبنى بالكبار وحدهم.
فالتاجر الصغير الذي يحافظ على متجره وفرص العمل فيه جزء من الأمن الاقتصادي للمدينة،
تمامًا كما أن المستثمر الكبير جزء من قدرتها على النمو. والمؤسسة الناضجة هي التي تستطيع
أن ترى الاثنين في المشهد نفسه دون أن يطغى أحدهما على الآخر.
تلك ليست أفكارًا ولدت اليوم، وإنما خلاصة سنوات في التجارة والسياحة والعمل الاقتصادي
والنقابي والعام، وتجربة جعلتني أرى المؤسسة من خارجها ومن داخلها.
وما زال في الفكر الكثير مما يستحق أن يُقال، وفي العقبة الكثير مما يستحق أن نعمل من أجله.
اليوم انتهت مرحلة إدارية.
لكن خدمة العقبة وتاجر العقبة لم تبدأ يوم جلسنا على مقاعد مجلس الإدارة، ولذلك لا يمكن أن
تنتهي يوم غادرناها.
فالموقع مدة… والأمانة عمر.
والمقعد يشغله الإنسان لبعض الوقت… أما القيمة الحقيقية فهي فيما يتركه بعد أن ينهض عنه.
حين ينتهي الموقع… حين ينتهي الموقع


