كتب : عبد الفتاح الحايك (الطليعة نيوز)
مع انطلاق الدورة الأربعين لمهرجان جرش للثقافة والفنون، يؤكد الأردن مجددًا أن الثقافة ليست نشاطًا ترفيهيًا عابرًا، بل هي ركيزة من ركائز الهوية الوطنية، وجسر للتواصل الحضاري بين الشعوب، ورسالة تؤمن بأن الأمم تُعرف بتاريخها كما تُعرف بإبداعها. وعلى امتداد أربعة عقود، نجح مهرجان جرش في ترسيخ مكانته بوصفه أحد أبرز المهرجانات الثقافية والفنية في العالم العربي، ليصبح منصة تجمع الأدباء والمفكرين والفنانين والمبدعين من الأردن والوطن العربي والعالم في مشهد حضاري يعكس صورة الأردن المشرقة.
ولعل ما يمنح مهرجان جرش خصوصيته الاستثنائية هو ارتباطه الوثيق بمدينة جرش الأثرية، إحدى أهم المدن الرومانية المحفوظة في العالم، فحين تُقام الأمسيات الفنية والعروض الثقافية بين أعمدة المدرجات والساحات التاريخية، يمتزج الماضي بالحاضر، وتتحول الآثار الصامتة إلى شاهد حي على استمرارية الحضارة الإنسانية، وهنا لا يكون الفن مجرد عرض على خشبة المسرح، بل يصبح امتدادًا لتاريخ المدينة ورسالة تؤكد أن الحضارات لا تُحفظ بالحجارة وحدها، وإنما بإحياء قيمها الثقافية والإنسانية.
كما أسهم المهرجان في تعزيز مفهوم الثقافة بوصفها أداة للتنمية وبناء الإنسان، من خلال احتضانه للمسرح والشعر والرواية والفنون التشكيلية والتراث الشعبي والموسيقى، إلى جانب إتاحة الفرصة للمواهب الأردنية الشابة للظهور إلى جانب كبار الفنانين والمثقفين العرب، وهو ما يعزز الثقة بالإبداع المحلي ويفتح أمامه آفاقًا عربية ودولية أوسع.
اقتصاديًا وسياحيًا، يمثل مهرجان جرش قيمة مضافة للاقتصاد الوطني، إذ يشكل موسمًا سياحيًا وثقافيًا متكاملاً يستقطب آلاف الزوار من داخل الأردن وخارجه، الأمر الذي ينعكس إيجابًا على الفنادق والمطاعم والأسواق والحرف التقليدية وقطاع النقل والخدمات، ويسهم في تنشيط الحركة الاقتصادية في محافظة جرش والمحافظات المجاورة.
أما على الصعيد العربي والدولي، فإن المهرجان يؤدي دورًا مهمًا في الترويج للأردن كوجهة سياحية آمنة وغنية بالإرث الحضاري والثقافي، فالزائر الذي يأتي لحضور أمسية فنية يكتشف في الوقت ذاته مدينة أثرية فريدة، ويطّلع على كرم الضيافة الأردنية، ويتعرف إلى التنوع الثقافي الذي يميز المملكة، ليعود سفيرًا ينقل هذه الصورة الإيجابية إلى بلده، وهو ما يجعل من المهرجان أداة فعالة في دعم السياحة الثقافية وتعزيز مكانة الأردن على خريطة السياحة العالمية.
وفي ظل ما يشهده العالم من تحديات ثقافية وتحولات رقمية متسارعة، تزداد أهمية مهرجان جرش باعتباره مساحة للحوار والانفتاح والتبادل الثقافي، ومنبرًا يرسخ قيم الاعتدال والتسامح والإبداع، ويؤكد أن الثقافة تبقى من أقوى وسائل بناء الجسور بين الشعوب وتعزيز التفاهم الإنساني.
إن الاحتفاء بالدورة الأربعين لمهرجان جرش ليس مجرد مناسبة للاحتفال بتاريخ مهرجان عريق، بل هو احتفاء بمسيرة وطن آمن بالثقافة والاستثمار في الإنسان، وجعل من الفن رسالة حضارية تعكس أصالة الأردن وعمق تاريخه وانفتاحه على العالم. وسيبقى مهرجان جرش، بما يحمله من إرث ثقافي وفني وإنساني، نافذة يطل منها الأردن على العالم، ومنارة تؤكد أن الحضارة الحقيقية تُصنع عندما يلتقي التاريخ بالإبداع، والثقافة بالتنمية، والفن بالهوية الوطنية.


