كتب : الدكتور عبدالفتاح الحايك
مع افتتاح مجلس النواب أعمال دورته الاستثنائية، تتجه الأنظار إلى أجندة تشريعية تحمل في مضمونها أبعادًا إصلاحية وتنموية تتجاوز مجرد إقرار القوانين، لتلامس بصورة مباشرة مسيرة تحديث الدولة الأردنية وتعزيز كفاءة مؤسساتها، فطرح ستة مشاريع قوانين دفعة واحدة يعكس حجم المسؤولية الملقاة على عاتق السلطة التشريعية، كما يؤكد أن المرحلة المقبلة تتطلب تشريعات عصرية تستجيب لمتطلبات التنمية وتواكب رؤية التحديث السياسي والإداري والاقتصادي التي يقودها جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم.
وتضم الدورة الاستثنائية مشاريع قوانين ذات أثر مباشر على حياة المواطنين ومؤسسات الدولة وهي: مشروع قانون الإدارة المحلية، ومشروع قانون الجامعات الأردنية، ومشروع قانون الملكية العقارية، ومشروع قانون المؤسسة الاستهلاكية المدنية، ومشروع قانون تنظيم العمل المهني، إضافة إلى مشروع قانون هيئة الاعتماد وضمان الجودة.
ويأتي مشروع قانون الإدارة المحلية في مقدمة التشريعات المنتظرة، لما له من أهمية في تعزيز اللامركزية وتمكين المجالس المحلية والبلدية من أداء دورها التنموي، بما ينسجم مع توجه الدولة نحو توسيع المشاركة الشعبية في صنع القرار التنموي، وتحقيق تنمية متوازنة بين مختلف محافظات المملكة.
أما مشروع قانون الجامعات الأردنية، فيحمل أهمية خاصة في تطوير منظومة التعليم العالي، ورفع مستوى الحوكمة الجامعية، وتعزيز استقلالية المؤسسات الأكاديمية، بما ينعكس على جودة مخرجات التعليم والبحث العلمي، ويعزز قدرة الجامعات الأردنية على المنافسة إقليميًا ودوليًا.
وفي جانب الاستثمار والاقتصاد، يمثل مشروع قانون الملكية العقارية خطوة مهمة نحو تحديث الإجراءات العقارية، وتبسيط الخدمات، وتعزيز الأمن القانوني للاستثمارات، بما يسهم في تحسين بيئة الأعمال وجذب المزيد من الاستثمارات المحلية والخارجية.
كما يأتي مشروع قانون المؤسسة الاستهلاكية المدنية في إطار تطوير أداء إحدى المؤسسات الوطنية التي تضطلع بدور محوري في تحقيق الأمن الغذائي، وضبط الأسعار، وتوفير السلع الأساسية للمواطنين بجودة مناسبة وأسعار عادلة، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية العالمية.
وفي سوق العمل، يبرز مشروع قانون تنظيم العمل المهني باعتباره ركيزة لتنظيم المهن، ورفع كفاءة العاملين، وحماية حقوقهم، وربط التدريب والتأهيل بمتطلبات سوق العمل، بما يسهم في الحد من البطالة وتعزيز الإنتاجية.
أما مشروع قانون هيئة الاعتماد وضمان الجودة، فيمثل استكمالًا لمسيرة تطوير التعليم والتدريب، من خلال ترسيخ معايير الجودة والاعتماد، وضمان الارتقاء بمستوى المؤسسات التعليمية والتدريبية، بما يواكب أفضل الممارسات العالمية.
إن نجاح هذه الدورة الاستثنائية لن يقاس بعدد القوانين التي سيتم إقرارها فحسب، وإنما بجودة النقاش النيابي، وعمق الحوار التشريعي، ومدى قدرة مجلس النواب على إجراء مراجعة دقيقة ومتوازنة لكل مشروع قانون، بما يحقق المصلحة الوطنية ويحافظ على حقوق المواطنين ويعزز ثقتهم بالمؤسسات الدستورية.
واليوم، يقف مجلس النواب أمام فرصة حقيقية لترجمة التوجيهات الملكية السامية إلى تشريعات حديثة تواكب متطلبات المرحلة، وتدعم مسيرة الإصلاح الشامل، وتؤسس لبيئة تشريعية أكثر مرونة واستقرارًا، قادرة على تحفيز الاستثمار، وتطوير الخدمات العامة، وتعزيز سيادة القانون، وترسيخ مبادئ الحوكمة الرشيدة.
وفي ظل الظروف الإقليمية والدولية المتسارعة، فإن الأردن بحاجة إلى منظومة تشريعية متطورة تستشرف المستقبل، وتدعم الاقتصاد الوطني، وترتقي بمستوى الإدارة العامة، وتحافظ على الإنجازات الوطنية التي تحققت بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني، لتبقى المملكة نموذجًا في الاستقرار والإصلاح والتحديث، وقادرة على مواجهة التحديات بثقة وكفاءة واقتدار.


