كتب : الدكتور محمد الحناقطه
لا يبدأ الفساد غالبًا بفعلٍ مفاجئ أو قرارٍ عابر بل ينشأ من عقليةٍ تتشكل تدريجيًا لدى بعض المسؤولين الذين ينسون أن المنصب تكليفٌ لا تشريف وأن السلطة أمانةٌ لا وسيلة لتحقيق المصالح الشخصية. فالمسؤول الفاسد لا يرى الوظيفة العامة خدمةً للمواطنين وإنما ينظر إليها على أنها فرصةٌ للنفوذ والكسب وتحقيق المكاسب الخاصة و يبدأ بالنظر إلى النزاهة على أنها سذاجة وإلى استغلال المنصب على أنه ذكاء أو مهارة في استثمار الفرص.
يبداء المسؤول الفاسد بالانشغال بالمكاسب الآنية التي يمكن أن يحققها لنفسه أو لأقاربه أو لمجموعته الضيقة دون أن يفكر في الأضرار بعيدة المدى التي تلحق بالمؤسسات والدولة والمجتمع. فهو يفضل المكسب الشخصي السريع على المصلحة العامة ويضحي بالكفاءة والعدالة مقابل الولاءات والعلاقات الشخصية. لذلك يميل إلى إحاطة نفسه بالمقربين والموالين بدلاً من أصحاب الخبرة والكفاءة مما يؤدي إلى إضعاف المؤسسات وتحويلها إلى شبكات من المصالح الشخصية.
هنا يبداء غياب الشعور بالمسؤولية الأخلاقية. فبدلًا من أن يشعر بالذنب تجاه ما يسببه من ضرر يلجأ إلى تبرير أفعاله بحجج مختلفة مثل أن الجميع يفعل ذلك أو أن الفساد أصبح جزءًا من الواقع. وبهذه التبريرات يخفف من وطأة تأنيب الضمير ويستمر في ممارساته دون شعور حقيقي بالمسؤولية.
إن أخطر ما في الفساد هو الانهيار الأخلاقي العميق الذي يصيب بعض المسؤولين عندما يفقدون الإحساس بالأمانة والواجب. فالمسؤول الفاسد لا يكتفي بمخالفة القانون وإنما يخون الثقة التي أُعطيت له ويتنكر للقيم التي يفترض أن يمثلها في موقعه الوظيفي.حين يصل الإنسان إلى مرحلة يرى فيها المنصب وسيلة للإثراء الشخصي ويستغل حاجة الناس لتحقيق مصالحه ويقدم أقاربه وأصدقاءه على أصحاب الكفاءة فإنه يكون قد سقط أخلاقيًا قبل أن يسقط إداريًا أو قانونيًا. فالفساد في جوهره ليس مجرد جريمة بل هو تعبير عن أزمة ضمير وغياب للقيم والمبادئ التي يقوم عليها العمل العام.
والمؤسف أن المسؤول الفاسد لا يدمر نفسه وحده بل يدمر المؤسسة التي يعمل فيها. فهو يحارب الكفاءات لأنها تشكل تهديدًا لمصالحه ويكافئ الموالين له ولو كانوا أقل قدرة وخبرة. ونتيجة لذلك تتراجع الإنتاجية وتُهمش العقول المبدعة وتُقتل روح المبادرة ويصبح الولاء للأشخاص أهم من الولاء للمؤسسة ورسالتها. ومع مرور الوقت تتحول المؤسسة إلى هيكلٍ فارغ يفتقد الكفاءة والفاعلية. فالقرارات لا تُتخذ وفق المصلحة العامة بل وفق المصالح الشخصية والحسابات الضيقة. وتُهدر الموارد وتتعطل المشاريع وتضيع الفرص بينما يدفع الموظف الشريف ثمن هذا العبث الإداري والأخلاقي.
إن المؤسسة التي تتسلل إليها عقلية الفساد لا تُهزم من الخارج بقدر ما تنهار من الداخل. وحين يصبح المنصب غنيمة والمال العام مباحًا والكفاءة عدوًا والنزاهة استثناءً فإن المؤسسة تبدأ رحلة التآكل البطيء نحو الضعف والفشل. ولهذا فإن الفساد ليس مجرد خطأ إداري بل هو اعتداء مباشر على مستقبل المؤسسات وحقوق الأفراد وثقة المجتمع بأكمله.
ولعل أكثر ما يثير الأسف أن بعض الفاسدين يتوهمون أن ما يملكونه من سلطة أو نفوذ أو مال كفيلٌ بحمايتهم من المساءلة وأن ما يخفونه عن أعين الناس سيبقى مستورًا إلى الأبد. غير أن الواقع يثبت عكس ذلك فالمناصب زائلة والنفوذ مؤقت أما آثار الفساد فتبقى شاهدة على أصحابها. وقد تتعافى المؤسسات من الأضرار التي ألحقها بها الفاسدون لكن سمعتهم تظل ملتصقة بهم مهما حاولوا تبرير أفعالهم أو تجميل صورتهم فالناس قد تنسى بعض الإنجازات لكنها لا تنسى من خان الأمانة وأساء استخدام السلطة. والأهم من ذلك أن رقابة البشر مهما بلغت تبقى محدودة أما رقابة الله سبحانه فلا يغيب عنها شيء في الأرض ولا في السماء ولا يفلت من عدله ظالم مهما طال به الزمن أو اشتد نفوذه.
إن المال الذي يُسرق من خزائن الدولة والحقوق التي تُسلب من أصحابها والوظائف التي تُمنح بالمحسوبية والمشاريع التي تُعطل بسبب الفساد ليست مجرد أرقام أو إجراءات إدارية بل هي مظالم حقيقية تتعلق بحقوق العباد. وحقوق العباد من أخطر الحقوق لأن الله سبحانه قد يغفر ما كان بين العبد وربه إذا شاء أما حقوق الناس فلا تسقط إلا بردها أو بعفو أصحابها.
وقد حذر القرآن الكريم من عاقبة الظلم والفساد في مواضع كثيرة، فقال تعالى: ﴿ولا تحسبن الله غافلًا عما يعمل الظالمون﴾، وقال سبحانه: ﴿إن الله لا يصلح عمل المفسدين﴾. فمهما بدا للفاسد أنه نجح في تحقيق مصالحه فإن فسادَه يحمل في داخله بذور هلاكه وسقوطه. و العقاب الإلهي ليس مقصورًا على الآخرة فحسب بل قد يبدأ في الدنيا بأشكال مختلفة فقد يُحرم الفاسد الطمأنينة رغم كثرة أمواله أو يعيش في خوف دائم من الفضيحة والمحاسبة أو يرى نفوذه يتهاوى فجأة بعد سنوات من التسلط أو يترك وراءه سمعةً سوداء يلعنه بسببها الناس بعد رحيله. لذلك فإن على كل مسؤول أن يتذكر أن المنصب مؤقت وأن الكرسي الذي يجلس عليه اليوم سيغادره غدًا وأن الملفات قد تُغلق في الدنيا لكن الحساب عند الله لا يُغلق أبدًا. وما يكتبه الإنسان من عدل أو ظلم سيجده كاملًا يوم يقف بين يدي الله يوم لا ينفع مال ولا جاه ولا وساطة ولا نفوذ.
ومن هنا فإن مواجهة الفساد ليست معركة ضد أشخاص بعينهم بل هي معركة للدفاع عن الأخلاق والقانون والكفاءة. فالأمم لا تتقدم بالمناصب واللوائح وحدها وإنما تتقدم عندما يتولى المسؤولية أشخاص يدركون أن السلطة أمانة وأن المنصب خدمة وأن خيانة هذه الأمانة هي من أقبح صور السقوط الأخلاقي والوطني.
فطوبى لمن جعل منصبه وسيلة لخدمة الناس وإقامة العدل وويلٌ لمن جعل السلطة بابًا للفساد وأكل الحقوق فإن دعوة المظلوم لا يحجبها حاجب وعدل الله لا يضيع معه حق وحساب الآخرة أشد وأبقى.


