كتب : الدكتور محمد الحناقطه
في عالم اليوم لم يعد الانحطاط الأخلاقي مجرد ظاهرة سطحية أو انعكاس لقصور الفرد بل أصبح
صناعة ممنهجة و مقصودة يقودها سياسيون وأصحاب ثروات طائلة فاسدون حتى النخاع
يسيرون وفق منطق الهيمنة والشر المطلق.
هؤلاء الذين يملكون مفاتيح الاقتصاد والسياسة لا يكتفون بالتحكم في الشعوب أو استغلال
الموارد بل يتجاوزون كل حدود الأخلاق والإنسانية محولين العالم إلى مسرح للفساد والجشع .
فالإنسان لديهم سلعة والحقيقة مجرد غطاء والمجتمعات مجرد أدوات لخدمة شهواتهم
وأطماعهم الطاغية.
ومظاهر هذا الانحطاط صادمة بشكل لا يصدق تصل إلى أبعد حدود خيال الإنسانية: اعتداء على
الأطفال و اغتصاب البنات والأولاد والمتاجرة بالبشر وأعضائهم وشبكات سرية تنتهك حرمة
الجسد والروح. حتى أن رمزية أكل لحوم البشر قد استُخدمت كأقصى تجليات الانحراف والشيطنة
العملية. كل هذه الممارسات ليست انعكاسًا لانحرافات فردية بل جزء من بنية شريرة منظمة
تعكس أزمة أخلاقية حيث لا حدود للفساد ولا مكان للرحمة أو الإنسانية.
يزرعون الرعب و يحطمون القيم
إن هؤلاء يمثلون تجسيدًا حيًا لابليس (لوسيفرLucifer ) فهم يزرعون الرعب و يحطمون القيم
ويدمرون كل ما هو إنساني في سبيل مصالحهم الشخصية . الاستعمار الجديد في يدهم لا يقتصر
على السيطرة الاقتصادية والسياسية بل يمتد إلى استعمار الجسد والروح حيث يصبح كل شيء
مباحًا و كل قانون مجرد إطار هش يمكن تجاوزه وكل قيمة اخلاقية مجرد زينة زائفة تخفي الوحشية
المطلقة.
في ظل هيمنتهم تتآكل الثقة الاجتماعية ويتفكك نسيج المجتمعات ويصبح الصواب والخطأ
نسبيين يتشكلان وفق رغباتهم وحساباتهم الباردة. القيم الأخلاقية تُمحى تدريجيًا وتختفي الحدود
بين الخير والشر و بين الحق والباطل ويصبح الانحطاط الأخلاقي العالمي سلاحًا تستخدمه النخبة
الفاسدة للحفاظ على سلطتها وثروتها بينما يُستباح الإنسان بكل أشكاله جسديًا ونفسيًا وروحيًا
وتُلغى القيم الإنسانية ويصبح كل شيء قابلًا للمساومة باسم المصلحة أو القوة أو الربح.
إعادة تشكيل الواقع الاجتماعي والسياسي
الهيمنة في هذا الإطار ليست مجرد سلطة رسمية بل قدرة ممنهجة على إعادة تشكيل الواقع
الاجتماعي والسياسي بما يخدم مصالح هذه النخبة العفنة سواء كان السياسي الفاسد او
الإعلامي المروّج للفساد او صاحب رأس المال الطاغي فهم جميعا تلاميذ ابليس يعيدون تعريف
الحق والعدالة والحرية وفق مصالحهم الخاصة مع تجاهل تام للمعايير الأخلاقية.
لهذا فهم يكرهون ويحاربون الاسلام لان اخلاقيات الاسلام تقوم على أساس ثابت تتمثل بالطاعة
لله والرحمة والعدل وحماية الإنسان والمجتمع. في الإسلام الخير والشر ليسا مجرد مفاهيم نسبية
بل مقياس ثابت يُوجّه الفرد والمجتمع نحو الصلاح ويضمن حماية الضعفاء ونشر الحق والحفاظ
على الروابط الإنسانية. الأخلاق الإسلامية ترتبط بالروح والضمير فلا حرية حقيقية للإنسان إلا
ضمن إطار القيم التي تحميه وتحمي الآخرين وتجعل المجتمع متوازنًا ومستقيمًا.
على النقيض من ذلك فأن الفكر اللوسيفري يقدس التمرد على كل قيد ويقدس الحرية الفردية
المطلقة ويرى أن كل قيمة يمكن أن تُنسى إذا تعارضت مع مصالح الفرد ورغباته. يروج للتمرد على
الله والقيم الثابتة ويبرر أحيانًا السيطرة على الآخرين واستغلالهم باسم القوة والحرية ويرمز إلى هذا
التمرد بالشيطان أو لوسيفر. هو فكر يقوم على الفوضى الأخلاقية والانحراف الذاتي حيث تصبح
المصالح الشخصية فوق الرحمة والعدل والقيم الإنسانية ويصبح الضمير مجرد أداة لتبرير الأفعال
المظلمة.
الإسلام كحصن للقيم الإنسانية
في هذا الصراع يظهر الإسلام كحصن للقيم الإنسانية بينما الفكر اللوسيفري يمثل تهديدًا مباشرًا
للبنية الأخلاقية للمجتمع إذ يحوّل الحرية إلى فوضى والاستقلالية إلى استبداد ويضع الفرد في
مواجهة الجميع بلا ضوابط. الفرق بينهما ليس مجرد فلسفة بل حرب بين من يحمي البشرية
بالقيم الثابتة ومن يسعى لتدميرها بالتمرد والانحراف.


