كتب : الدكتور محمد الحناقطه
أسهمت الحضارة الإسلامية إسهامًا عميقًا في تشكيل مسار الحضارة الإنسانية منذ ظهورها في القرن السابع الميلادي حيث لم تكن حضارة منغلقة بل حضارة علم ومعرفة وتفاعل مع الآخر. ولم تكن مجرد مرحلة تاريخية بل ركيزة أساسية في بناء الحضارة العالمية لا يزال أثرها حاضرًا في كثير من منجزات العالم المعاصر. الا أن عددًا كبيرًا من الاختراعات والنظريات العلمية التي أسس لها علماء الحضارة الإسلامية نُسب لاحقًا إلى الغرب خاصة خلال عصر النهضة. فعندما تُرجمت الكتب العربية إلى اللاتينية حُذفت أسماء كثير من العلماء المسلمين أو لُوّنت أسماؤهم بصيغ لاتينية فطُمس الأصل العلمي وأُعيد تقديم المعرفة وكأنها إنتاج أوروبي خالص وكُتب تاريخ العلم لاحقًا من منظور غربي فتم التقليل من إسهامات الحضارة الاسلامية أو تجاهلها عمدًا. فتاريخ العلم كُتب في جامعات ومؤسسات غربية فاختير ما يُدرَّس وما يُهمَل. وهذا انحيازًا منهجيًا وسردية تاريخية منحازة ناتجًه عن من يملك السلطة والهيمنة المعرفية.
والامثلة على ذلك كثيرة لا يمكن حصرها في بحث او مقال ففي العلوم قدّم المسلمون إنجازات رائدة في الطب فكتاب القانون في الطب لابن سينا كان المرجع الطبي الأول في جامعات أوروبا حتى القرن السابع عشرالا ان كثير من المفاهيم الطبية الأساسية قُدِّمت لاحقًا على أنها تطورات أوروبية دون الإشارة إلى مرجعها الأصلي.
وابن الهيثم هو المؤسس الحقيقي للمنهج التجريبي والبصريات وهو الذي وضع أسس المنهج التجريبي القائم على الملاحظة والفرضية والتجربة في كتابه المناظر. هذا المنهج نُسب في الغرب لاحقًا إلى روجر بيكون وفرنسيس بيكون رغم أن ابن الهيثم سبقهما بعدة قرون. والخوارزمي هو المؤسس الحقيقي لعلم الجبر في كتابه المختصر في حساب الجبر و كلمة Algorithm في اللغات الأوروبية مشتقة من اسمه ومع ذلك يُدرَّس الجبر غالبًا بوصفه إنجازًا أوروبيًا دون ذكر الأصل الإسلامي.
والزهراوي اخترع أدوات جراحية دقيقة ورسمها شرحًا وتطبيقًا. كثير من هذه الأدوات ما زال أساسها مستخدمًا اليوم ومع ذلك نُسب تطور الجراحة الحديثة إلى أوروبا وحدها. وابن النفيس اكتشف الدورة الدموية الصغرى قبل هارفي الأوروبي بثلاثة قرون لكن الفضل نُسب إلى هارفي حتى القرن العشرين بعد اكتشاف مخطوطات ابن النفيس. وجابر بن حيان وضع أسس المنهج التجريبي في الكيمياء وطوّر عمليات التقطير والترشيح والتبلور. كثير من المصطلحات الكيميائية الغربية أصلها عربي لكن جابر غالبًا يُهمَل في السرد الغربي. واخيرا وليس اخرا علم الفلك الذي كانت فيه الريادة للمسلمين لقرونً طويلة فمنذ القرن الثامن حتى الخامس عشر كانت العربية لغة العلم العالمية في الفلك. فالأوروبيون تعلّموا علم النجوم عبر الكتب العربية . ومن المعروف عالميا ان ثلثي أسماء النجوم هي اسماءعربية مستخدمة عالميًا ومثال ذلك الدَّبران (Aldebaran) التابع للثريا والسماك الرامح (Arcturus) والطائر (Altair)و النسر الواقع (Vega)ومنكب الجوزاء(Betelgeuse) ورِجل الجبار (Rigel) والفَرد (Fomalhaut) وغيرها الكثير الكثير.
اخيرا يجب ان نعلم جميعا أن الحقيقة لا تستعاد بالاحتجاج بل بالبحث ولا تفرض بالعاطفة بل بالتوثيق ولا تعيش في الماضي بل تثبت نفسها بالحاضر. وعليه يجب أن نعلم الاجيال القادمة من حملة الرسالة الخالدة التي انزلت على سيد الخلق سيدنا محمد علية افضل الصلاة واتم التسليم أن لا نقدس الماضي لان من يقدس الماضي يعجز عن تجاوزة وأن المجد يستعاد بالبحث لا بالجدل ولوم الاخرين. ويجب ان تعلم الانظمة التي اضاعت البوصلة أن من لا يتقن لغة العلم اليوم ومنهجيته وتقنياته سيبقى مستهلكا فالنهضات لا يصنعها ابطال منفردون بل جامعات قوية ومراكز بحث وسياسات تعليم جادة. لا تطلبوا من العالم أن يعترف بفضلكم بل اجعلوه مضطرا لذلك حين تنتجون علما وتقيمون عدلا وتستعيدون معنى الانسان.


