ماعينيات -41 –
كتب :المهندس خالد ياز حدادين
بعد أيامٍ من شتوةٍ تشرينيةٍ و حين يهدأ المطر وتبدأ الأرض بالتقاط أنفاسها، كانت ماعين تستيقظ على موعدها المتكرّر مع البذار. فسُهولها الممتدّة حول القرية من كل الجهات، بتربتها ذات اللون الأحمر الداكن، أعاد إليها المطر دمَها القديم، وبدأت العروق المختبئة تحت التراب تنبض من جديد. فالناس في ماعين كانوا يرون الأرض كائنًا تسري في ذراته الدم؛ كائنًا يتعب، ويشرب، ويأكل، ويمرض، ويرتاح، ليعود في الربيع مبتهجًا كطفلةٍ أنهضتها النسمات من حلمٍ جميل.
في تلك الصباحات الباردة، كان بعض رجال القرية يخرجون من الأزقّة الطينية بملامح يعرف من يراهم أنهم في طريقهم إلى السهول دون حاجة إلى دليل، إلا الباكور أو الخيزرانة التي يحملونها، والأمل الذي تراه يشعّ من العيون عندما يلقون تحية الصباح على بعضهم البعض… ذلك الأمل الذي جاء عبر قطرات خيرٍ نزلت من السماء. يمشون بخطى ثابتة، كخطوات آباء سبقوهم، يمشون إلى الأرض التي تعرف وقع أقدام أبنائها كما تعرف أسماءهم.
كان أبي، بعد تلك الشتوة، يخرج “مطرق الرمان” الذي يحتفظ به فوق مطوى الفراش، كأنه قطعة سلاح أو مفتاح للأرض، وليس مجرد عصًا. كان يحمله فقط في بدايات موسم المطر ليطعن به التراب كطعنة سهم كيوبيد (كيوبيد: ملاك يرمي سهام الحب). يشمّ رائحته، يرى عمق الرطوبة كمن يختبر قلب الأرض. يطعن في أكثر من موقع، سواء أرضه أو أية أرض يعبر قربها، وكان بخبرته وحدسه والخيوط التي تربط قلبه بالأرض يعرف أي أرض، وفي أي جهة، وفي أي نقطة تعطي الدليل على أن الأرض جاهزة.
كان يلمس التراب بأصابعه، يقلبه ببطء، يقرأه كما لو كان يقرأ رسالة عشق قديمة، ثم يهزّ رأسه تلك الهزّة الحاسمة التي نعرف منها أن الموسم “مائل” للخير، وأن في الأرض “رُبّة” (رطوبة) مناسبة للبدء بالبذار.
وفي طريق عودته، كان يسير ببطءٍ أكثر، كمن يترك للفرح وقتًا أطول كي يتشكّل داخله. ينظر إلى السهول المبتلة فيرى فيها وجه السنة القادمة، ويرى في خطوط المحراث آثار أيدٍ تعبت قبلهم، وخطوات رجال مرّوا على هذه الأرض ثم غابوا، وكأن الأرض، بكل ما بذل عليها من تعبٍ وعرقٍ وذكريات، تمنحه رأيًا يسند يقينه.
وحين يصل سوق القرية، كان المشهد يتبدّل: الرجال الكبار عند الدكاكين، بعضهم يلعب “السيجة”، وآخرون يتكئون على جدران الطين، وما إن يلمحوه حتى ينهض أحدهم بالسؤال الذي لا يتغيّر:
“ها… بشّر؟”
فيبتسم أبي تلك الابتسامة التي لا تظهر فيها أسنانه، لكنها تُظهرعلى وجهه لوحة كاملة من الطمأنينة والأمل.
ويقول: “الأرض رُبتها ممتازة… الله يجيب الخير.”
فتتهامس الوجوه بكلمة بسيطة، قصيرة، لكنها أعمق من كل كتب الأرض:
“الحمد لله.”
وهنا يبدأ المشهد . يظهر البِذارون… رجالٌ بسطاء لكن لهم مهابة لا تُشبه إلا مهابة الكهنة في الطقوس القديمة. يرتدون مآزرهم الخشنة—مريول القماش المربوط من الرقبة، والذي ينسدل حتى ما بعد الركبتين، مشدودًا حول الخصر—كأنه صدرٌ إضافي يلتصق بأجسادهم، يحملون القمح المجنزَر داخل مأزرهم الذي يرفعه الواحد منهم بيده البسرى ، وتبقى اليد الأخرى حرّة لنثر البذار. يرتفع المريول ويرتخي مع كل خطوة، يلتصق بالصدر حين يمتلئ بالقمح، ثم يتمايل مع حركة اليد التي ترشّ الحبوب فوق السهل في نصف دائرة تشبه حركة المطر حين تلفحه رياح جنوبية غربية، والتي عادة ما تجلب المطر.
تبدو الحركة بسيطة، لكنها كانت—لعين طفل—تشبه حركة ساحر يزرع الضوء في الأرض. وإذا تأملت الوجوه جيدًا، تشعر أن الرجال ينثرون القمح وشيئًا من الإيمان والرجاء ؛ يزرعون القمح… والوعد… والأمل… واليقين بأن ما يُنثر في الأرض ميتًا سيحيا من جديد.
وبينما تنثر اليد اليسرى القمح، تبدأ أفواه البذّارين بالحداء. فأغاني الفلاحين هي ما يميّز القرية عن المدينة، وما يميّز الأردن عن أي أرضٍ أخرى. هي هوية تمشي على اللسان، تقول من أين جئنا، وتذكّرنا كيف عاش الناس قبل أن يتغيّر كل شيء. كلمات بسيطة، يتخللها عادة شكر كالدعاء، حيث تبدأ:
“يا رزّاق… يا كريم…”
كانت أصواتهم تمتد فوق التراب امتدادًا طبيعيًا، كأنها جزء من العمل نفسه. تتداخل مع هبّات رياحٍ خفيفة، ومع خشخشة وقع أقدامهم على وجه التربة الرقيق الذي بدأ جفافه يظهر من نسيمٍ شرقيّ مرّ في الصباح، ومع وقع أقدام الأطفال اللذين جلبوا لهم بعض الطعام والذين يتقافزون خلفهم بين خطوط الحراث ، محاولين عدم تسوية أثلام الأرض، أو كما يعتقدون: ألّا يطأوا حبةً قمح زُرعت للتو .
كبرنا… وتباعدت الطرق… وصار لكلٍّ منا مدينته وهمومه وليلُه الطويل. لكن شيئًا واحدًا ظلّ ثابتًا: أن أول شتوةٍ تنزل، تفتح في القلب بابًا نحو ماعين. تعود الأصوات القديمة، تعود السهول، تعود المروج الحمراء، تعود رائحة الطين، يعود الهجيني، ويعود صوت أبي… ورائحة لا يعرفها إلا من عاش تلك التفاصيل.
واليوم، حين أرى حبة قمح، أستعيد كل شيء دفعة واحدة—يد البذار، مأزره، هجيني الرجال، تعب النساء قرب الطابون وهنّ يحضّرن الخبز للبذارين، والفرحة التي ترتسم على وجوه الرجال عند سماع صوت المطر على سقف الطين بعد اكتمال البذار. وأتذكر… وأشعر أن موسم البذار كان موسمًا للأمل… للإيمان… للحظةٌ يلتقي فيها الإنسان العاشق مع محبوبته الأرض. كان فعل إيمان…فعل رجاء… وأن الأرض، مهما باعدتنا المدن عنها،تبقى هي الأم الأولى،والصدر الأوسع،والقلب الذي يسمع دعاءنا ولو بعد ألف غياب.
وفي كل مرة اسمع ان أول شتوة هبطت على ماعين، ياتيني صوت السهل يهمس لي من بعيد، كأنه يعيد الحكمة التي حملت القرية عبر الأجيال
“ازرع خيرك… وإن لم تعرف أين سيكبر. فالقلوب مثل الأرض … التي تكشف لك وجهها بعد المطر، …. ستردّ لك ما منحتها لها، ولو بعد حين.”
عمان – 29/11/2025


