كتب : م.خالد باز حدادين
ماعينيات -29-الجزء الأول
ولمن جربها …..سأعيد له بعض الذكريات
خدمة العلم – من الجامعة الى خو بالكونتينتال
حين تخرّجنا من الجامعة، لم يكن المشهد يحمل ذلك البريق الذي يتصوّره الناس عادة. لم نشعر أنّنا نُمسك الدنيا بأيدينا، بل كنّا كمن يُزَفُّ إلى طريق واحد لا يملك غيره. كان باب خدمة العلم يقف هناك، مفتوحًا، ينتظرنا جميعًا.
كنا أبناء القرى، نعرف الوادي والجبل أكثر مما نعرف أبواب الوزارات، ونعرف كيف يُحمل القش على التراكتور أكثر مما نعرف كيف تُقدَّم معاملة رسمية. صدقنا كان يسبقنا، وربما بساطتنا أيضًا. لم نكن ندرك أنّ في العالم حِيَلاً صغيرة يمكن أن تُبعد أحدهم عن الخدمة: تقرير طبي يُكتب بطريقة معيّنة، أو واسطة تفتح بابًا جانبيًا. كنّا نظن أن الجميع سيقف في الصف ذاته، وأن الجيش قَدَر لا فكاك منه.
لكن شيئًا اسمه “الإعفاء” بدأ يظهر أمامنا، لا كحدث صاخب، بل كهمس يتردّد بين الشباب. بعضهم أُعفي لمرضٍ حقيقي، وبعضهم لسببٍ لم نفهمه تمامًا. لم ننظر إلى الأمر بحسدٍ ولا غضب، إنما بشيء من الحيرة. كان الإعفاء بالنسبة لنا شبيهًا بباب جانبي يخرج منه البعض بهدوء، – يُصنَّف هذا الشخص درجة خامسة – بينما البقية يواصلون السير في الطابور الطويل. لم يكن هذا بنظر الكثيرين خيرًا مطلقًا ولا شرًا مطلقًا، بل مفارقة جديدة من مفارقات الحياة التي تبدأ في كشف وجهها بعد الجامعة.
كنا نرى أن طلب الإعفاء لا يليق بالرجال، هو خيانة للفكرة التي حُفرت في رؤوسنا منذ الصغر: بأن الرجولة امتحان، وأن هذا الامتحان كتابٌ يكتبه المرء بالصدق والانضباط. لذلك، حين كنا نسمع أن فلانًا تخلّف عن الخدمة بحجّة غير مقنعة مدعومة بتقرير طبي، كنّا نهزّ رؤوسنا في صمت، وفي أعماقنا غصّة وقليل من عدم التقدير. ربما كان في هذا التصور سذاجة، وربما كان فيه حكمة، لكننا كنا نعيش ببراءة جيلٍ من أبناء القرى لم يتقن بعد لعبة المراوغة. كنا نؤمن أن القدر الذي يضع جميع الشباب في صفوف الجيش ليس ظالمًا، بل عادلًا كقانون الطبيعة.
في تلك الأيام، لم نفكر بالخدمة كخيار فردي. كان كل واحدٍ منا يتخيّل كيف سيكون من حوله: كيف سنقف معًا في الطابور، كيف سنركض معًا، كيف ستكون القسوة والانضباط معًا. كنا نفكر أن الفارق بين من سيخدم وبين من تهرّب لم يكن في الشجاعة الجسدية وحدها، بل في معنى أعمق يكمن ما بين الانتماء واللانتماء، ما بين الإقدام والضعف. لقد كان جهلنا بتفاصيل الخداع يقابله إيمانٌ أعمق: أن الرجولة لا تُعفى، وأن من يطلب الإعفاء بلا سبب حقيقي يكتب على جبينه علامةً لن تُمحى.
في ماعين، اجتمعنا نحن المدعوون لتأدية الخدمة العسكرية عند بيت العم المرحوم سلامة أبو نعال الحدادين، حيث كانت ماكينة كهربائية تنتظرنا. وماكينات الحلاقة الكهربائية كانت آنذاك شيئًا جديدًا في القرية، إذ لم تعرف ماعين الكهرباء إلا بعد تخرّجي من الجامعة. كنت أقضي بعض أيامي في ماعين التي تركها أهلي، أتهيأ مع رفاقي لهذه الخدمة، حيث كنا مجموعة من أبناء ماعين تجمعنا ذكريات الطفولة ودهشة الانتظار والرهبة.
جاءت ماكينة الحلاقة بيد خبيرة في كل شيء، يد الخال المرحوم أبو وسام، الذي أحب أن يتطوع في استخدام الماكينة، وأراد أن يشاركنا لحظات سترتسم فينا كنقش بيزنطي على إحدى صخور ماعين. أجلسنا صفًا واحدًا كأننا في مدرسة ابتدائية. وحين أخذت الشفرة تدور على الرؤوس، تذكرت أيامي القديمة في الصفوف الأولى، حين كانت الحلاقة على الصفر فرضًا إجباريًا قبل الدخول إلى المدرسة. نفس الصوت، نفس الشعور، لكننا الآن لم نعد أطفالًا، بل شبابًا على أعتاب عالمٍ قاسٍ جديد.
خرجنا برؤوسٍ تلمع في الشمس. لم يكن الصلع قد أخذ منا بعد، فبقيت جلود رؤوسنا بيضاء نقية تحت الشعر الذي غادرها للتو، وكأننا نرتدي وجوهًا جديدة. ضحكنا، سمعنا النهفات، استدعينا ذكريات الطفولة والحلاقة المدرسية، لكن خلف الضحك كانت الرهبة تتربص في قلوبنا.
في صباح اليوم التالي، جاء الكونتيننتال، تلك الشاحنة العسكرية الأشهر في الأردن، كأنه وحشٌ من حديد أُعدّ ليبتلعنا دفعة واحدة ويقذفنا في قدرنا الجديد. صعدنا إلى الخلف واحدًا تلو الآخر، وجلسنا على المقاعد المعدنية الجانبية، متلاصقين كأن أجسادنا تسند بعضها.
ما إن تحرّكت العجلات الثقيلة حتى بدأ الاهتزاز يملأ المكان: ارتجاجات خشنة تذكّرني بتراتيل “الترولي” القديم الذي كان يجرّ القش في مواسم الحصاد، أو بالتركترات التي تهتزّ على طرقات القرى الترابية. لم يكن هذا غريبًا على أبناء القرى الذين وُلدوا بين صرير العربات وصرخة الأرض تحت عجلات الجرّار، لكنه بدا كصدمة لأولئك الذين اعتادوا هدوءَ المدن وأناقة شوارعها (في ذاك الزمن كانت مدننا أنيقة فعلًا). كنّا نحن نضحك من الاهتزاز كأنه هزّ أرواحنا لتستيقظ، بينما هم كانوا ينظرون حولهم بارتباك، وكأنهم أُلقوا فجأة في عالمٍ لم يتعودوا عليه.
الأصوات كانت تتداخل: صرير الحديد، صوت المحرك العجوز وهو يئنّ، وصوت الريح وهي تتسلل من بين الألواح المعدنية، تصفع الوجوه ثم تهرب. كنا نهتزّ معًا في كل منعطف، صفًا من الأجساد المتلاصقة تتحرك كأنها كومة قش تهتزّ على عربةٍ في طريقٍ ماعيني وعر. ضحكنا، تبادلنا النكات، وكان الضحك في تلك اللحظة دفاعًا ضد الخوف: كل واحدٍ يخفي قلقه بابتسامة، وكل ضحكة كانت تحاول أن تقول للآخر: لسنا وحدنا في هذا المصير.
وهكذا، بين اهتزازٍ وآخر، كنا نشعر أن الكونتيننتال جسرٌ يأخذنا من عالمٍ نعرفه بكل بساطته وطفولته، ويلقي بنا في عالمٍ آخر أكثر قسوةً وانضباطًا. الطريق كان طويلًا من مادبا إلى خو، لكن شعورنا بأنه ينقلنا من حياةٍ إلى حياة جعله يبدو بلا نهاية. كأن الزمن نفسه قرر أن يتمدد داخل ذلك الصندوق الحديدي، ليترك لنا وقتًا أطول نفكر لما نحن ذاهبون إليه.
وصلنا بالكونتيننتالات إلى مركز تدريب المكلَّفين في منطقة خُو. كان اسم هذا المركز يومها يملأنا رهبة وغموضًا، وإلى الآن ما زال الناس يذكرونه مقرونًا بالقسوة والانضباط. هناك، على بواباته التي تعج بجموع المكلفين، بدأ أول فصل من حكاية ستبقى عالقة في ذاكرتي، كأنها محفورة على مسلة روحي كنص فرعوني لم تأكله أسنان الزمن ولا مطرقة الطبيعة.
دخلنا المباني في أول يوم، متعبين ومرتبكين. تم توجيه أصحاب الشعر الطويل إلى حلاق الجيش، وكأن أول درس في الانضباط يبدأ من الرأس ذاته؛ من محو ملامح الفردية في خصلات الشعر التي تميّز كل شخص فينا. أما نحن، الذين لم يعد في رؤوسنا ما يُقصّ، فقد دفعونا إلى مكتب التسجيل مباشرة. هناك، كُتب اسم كل واحد منا في سجلات سميكة، ثم سُلّمنا شهادات التعيين وأرقامنا العسكرية، مع تزويدنا بأرقامٍ معدنية من الألمنيوم، صارت قلادة على أعناقنا. كانت بمثابة إعلانٍ بأننا لم نعد نملك أنفسنا كما كنا، وأن الفرد في الجيش يتحوّل إلى رقم بين صفوف لا تنتهي.
اقتادونا إلى “الهناجر” التي هي منامات الأفراد لكل سرية هنجر. وعلى الدرب المؤدي إلى الهنجر، نظر إليّ أحد المدربين وقال:
– “متى تاريخ تعيّنك في الجيش؟”
فأجبته، فقال وهو يبتسم ابتسامة غامضة:
– “هذا التاريخ الذي سنجعلك لن تنساه ما حييت.”
كان محقًا. ما زال محفورًا في داخلي كما لو كان بداية حياة أخرى: 18 أيلول 1984 – دفعة 26.
ذلك التاريخ كان أشبه بولادة جديدة، أو عيد ميلاد آخر. لقد دخلت الجيش، ولم أخرج منه كما كنت.
بعدها وزّعونا على الكتائب. كان نصيبي الكتيبة الثالثة بثلاث سراياها: الأولى والثانية والثالثة. والغريب أن التوزيع لم يكن على أساس الخبرة أو المنطقة أو المعرفة، بل على أساس الطول، كأن القامة وحدها هي التي تحدّد موقع الإنسان في هذا الطابور الصارم. لم يكن في الأمر منطق يمكن أن ترتكز عليه، ولكنه منطق الجيش: أن تصطف الأجساد بانتظام في تشكيل عسكري جاذب، وأن يذوب الفرد في الشكل العام كما تذوب قطرة ماء في النهر.
في السرية الأولى التي التحقت بها، التقيت مكلفين من جميع أنحاء الأردن. لم يكن الجيش يسأل من أين جئت: من مدينةٍ مزدحمة بشوارعها وأسواقها، أم من قريةٍ تحرسها الحقول، أم من باديةٍ تعرف ليل الخيل والصحراء، أم من مخيمٍ ضيّق عاش أهله على أمل العودة. لم يكن يفرّق بين شمالٍ وجنوبٍ، ولا بين من ترعرع في بيتٍ واسع وحديث، ومن نشأ في بيتٍ طيني أو غرفةٍ من الزينكو.
هناك، في المعسكر، اجتمعنا جميعًا. جلس ابن المدينة الذي حمل لهجة الحَضَر وعاداتهم بجوار ابن القرية المشبع برائحة التراب وصلابة الفلاحين، وإلى جانبهما ابن البادية بخطوته الثابتة وملامحه التي صقلتها الريح، ومعهم ابن المخيم الذي جاء بذاكرة الصبر ووجع الأمل.
ذابت الفوارق الفكرية والاجتماعية كذلك: الجامعي الذي قرأ الفلسفة وناقش في قاعات الجامعة جلس على السرير نفسه مع من لم يُكمل المدرسة، والمثقف الذي حفظ الشعر شارك المائدة مع من لم يحفظ سوى أسماء الجيران وطرقات القرية. الجميع استيقظ على طرقات الأبواب والصافرات ذاتها، أكل من “الصفر الطاس” نفسه، وركض في الطابور ذاته.
لم يعد هناك شمال وجنوب، مدينة وقرية، غني وفقير، مثقف وأميّ. كان هناك فقط جندي، يُختصر وجوده في رقمٍ عسكري وملابس موحّدة وصوتٍ واحد يردّد الأوامر. لكن خلف هذه المساواة الظاهرة، كان هناك درس خفي: أن الإنسان حين يُساق إلى امتحانٍ قاسٍ، تذوب طبقاته وفوارقه، ويقترب جوهره من الآخرين أكثر مما كان يتخيّل.
في تلك اللحظة، أدركت أن الهوية ليست ما نعلّقه على صدورنا من شهاداتٍ، ولا ما نحمله من ألقابٍ اجتماعية. الهوية هي ما يبقى فينا حين تُسلب كل الزينة. هناك، في الطابور، لم يكن أحدنا طبيبًا أو فلاحًا أو بدويًا أو ابن مخيم أو مهندسًا؛ كنا جميعًا بشرًا عُراة من الامتيازات، عُراة من الفوارق، متساوين أمام قسوة نظام الجيش مثلما نحن متساوون أمام قسوة الحياة ذاتها.
لقد كانت السرية، بل الكتيبة، بل كامل المعسكر، أشبه بمرآة كبرى: يعرّي الفرد من مظاهره، ويعيده إلى جوهره الأول، جوهر الإنسان الذي لا يجد معنى إلا في صموده. وربما كانت تلك أول مرة شعرت فيها أن العدالة هنا بكل قسوة تفاصيلها، يمكن أن تتحقق داخل مكانٍ منضبط اسمه المعسكر.
يتبع……….
م.خالد باز حدادين – 22/8/2025


