كتب : المهندس خالد باز حدادين
سُئلت جدتي لأمي، رفعة عراقي الحواتمة الحدادين ، ذات صباحٍ دافئ حين كانت في التسعين عن
عمرها من بعض الجالسين حولها:
“كم عمركِ يا جدة؟”
. كنتُ طفلًا حينها ، يدهشه أن يعرف كم من السنين تحمل هذه الروح العتيقة وهذه البسمة
اللطيفة ، سؤالٌ عادي، يكرره الناس كل يوم فاجابت بعبارة ضاهت كل كتب الحكمة، ونقضت
بلطف كلّ تلك الجُمل المصقولة التي تقول إن العمر رقم. رفعت عينيها اللتين عبرتا الحياة دون أن
تطفأهما التجاعيد وقالت بثقة هادئة، دون تردّد:
“وشو العمر…هاذي انا…وهذا هو عمري من ما انخلقت.”
ضحك من حولها، لأنهم أرادوا رقمًا. أما أنا الان حين اتذكر جوابها الذي ينبع حكمة اشعر بأني
سمعت جوهر الوجود يتجلى بكلمة… كأن ما قالته قد وصف وجودنا في هذه الحياة بأنه حضور
كينونتنا منذ لحظة الانبثاق الأولى وحتى آخر رمق من الإدراك.
حين أتأمل كلماتها اليوم، أدرك أن الزمن ، هو نحن أنفسنا، نقطن بين طيّاته كما يقطن الضوء في
امواجه. جدتي لم تكن تجهل عدد السنين، بل كانت كلمتها أعمق من ذلك، وكانها كانت تنظر إلى
الحياة كما كان يقول جدي ” ليس المهم اتساع حقل القمح انما المهم سنابله”.
كان في جوابها، تصالحًا مع الوجود ….. جدتي كانت تعرف — دون أن تقول — أن الشيخوخة ليست
آخر الطريق، بل فصلٌ جديد في حكاية الوعي. لم تكن تخاف من الزمن، لانها كانت جزءًا منه، تسير
معه دون مقاومة، كما تسير السحابة مع الريح.
ذلك الجواب الذي خرج من فم امرأة أمّية ، كان درسًا في الرياضيات الكونية , درسا يقول : أن
اللحظة التي وُجدنا فيها، هي ذاتها التي لا نزال نعيشها، حتى وإن تلونت وتكسّرت على مرآة الأيام….
كانها تقول لي الان دون أن تنطق: الزمن لا يُحسب.. نحن الذين نتبدّل فيه. وما العمر إلا امتدادٌ لذلك
الوجود الأول الذي انطلق من رحمٍ دافئ إلى هذا التيه الممتلئ بالحب، والخوف، والتوحش والانتظار.
لقد أدركت جدتي ببصيرتها الفطرية أن عمر الإنسان ليس رقمًا يضعه في بطاقة هوية وأن العمر
هو الاثر الذي نتركه على جدار الحياة،. وفي ذلك الفهم، يكمن سرٌ لا تشرحه الكتب، بل يفهمه القلب
حين يصمت كما صمتت جدتي بعد الجواب.
م.خالد باز حدادين – عمان – 18/8/2025


