ماعينيّات – 17
كتب : المهندس خالد باز حدادين
كأنّ ماعين كانت تتنفّس العيد معنا، أو ربما كنّا نحن الذين ننتعش به…
في طفولتنا، لم يكن العيد مجرّد مناسبة، بل موسمًا للدهشة، وجمع الحلوى، ولملمة وجوه الكبار
وابتساماتهم في أكياس صغيرة نُخبّئها بين طيّات ملابسنا.
كنّا ننتظر الفطر والأضحى كما ينتظر الأطفال يوم خلاصٍ من سجن طويل، مع أنّنا كنّا نحتفل أيضًا
بعيد الميلاد المجيد وعيد الفصح. وتلك ميزة دراستنا في مدرسة الكاثوليك: أربعة أعياد، أربعة
مواسم للفرح، وأربعة أعذار للهروب من جدران الصفوف.لكن الفطر كان له نكهة أخرى… لا أعرف
أهي نكهة الحلقوم، أم كرم الجيران، أم ضحكاتنا التي كانت ترتفع فوق جدران البيوت الطينية؟
نحمل أكياسنا الفارغة – وأحرص أن يكون كيسي أكبر من كيس الميلاد، لأنّ منازل المحتفلين أكثر،
وقلوبهم واسعة – ونبدأ جولة طويلة على بيوت ماعين. نطرق الأبواب، ونحن نصيح ببراءة: “كل عام
وأنتم بخير!”
يخرج إلينا رجلٌ يرتدي ثوبه الجديد، شماغه مشدود على الرأس، ملامحه توحي بالجدّ والكرم معًا،
يصيح بنا مرحّبًا وكأنّنا كباريا هلا، يا هلا… إنت ابن لمن؟ وإنت ابن لمن؟”
نجيبه بوجل كما نُجيب الأستاذ، وبخجلٍ انتظارًا للحلوى، وأحيانًا نحصل على “تعريفة”، وذاك كان كافيًا
لنشتري حلوى من الدكّان. ينادي الرجل: “يا أم فلان، تعالي عايدي الضعوف!” تخرج علينا وهي
تمسك “شَريطة” لا تزال مبلولة، تمسح بها يديها من بقايا ماءٍ بعد أن غسلتها، عند تركها مكان
“البابور” لتحضير غداء العيد، لتُسلّم على القادمين، على المعايدين. ترانا من بعيد، فتعود إلى الدار
لتعود حاملةً صحنًا أو كيسًا مليئًا بالحلوى أو الحلقوم، وأحيانًا “الناشد”، تُكمّش لكل واحد وتضعها
في كيسه، ثم تقول بصوتٍ كله حنان:
“يا ولد، سلّم على أمك، وقلها: ما ودّها تيجي تعايدني؟”
أبتسم، ولا أُجيب… لكنني أحاول أن أحفظ وجه المرأة والرجل لأصفهما لأبي، وأُخبر أمي بأنها تنتظرها
حتى تعايد عليها…
أحاول أيضًا أن أحفظ شكل الدار، الحوش، موقع البئر، لون الحمار…فالناس في ماعين تحفظ
بعضها بعضًا، تحفظ الوجوه، البيوت، الأمكنة، وحتى شكل الحيوانات، كما تحفظ الأم تفاصيل وجوه
أطفالها.
نتنقّل من بيت إلى بيت، ومن دكّان إلى دكّان. في الحارة الغربية، أصحاب الدكاكين يفتحون محالّهم
أول ساعات صباح العيد – لا للتجارة، بل لمن نسي شراء كيس حلوى، أو قهوة، أو “شمبر لوكس”
سقط ليلًا، بعد صدم “اللوكس” من أحد الأطفال الذين تزداد حركتهم ونشاطهم ليلة العيد، آخر أيام
رمضان الجميلة، أو لشراء زجاجة “بنّورة” تشظّت قليلًا وأجّلوا إصلاحها حتى العيد.
ودائمًا في ماعين، يُقال “على العيد”… وتعني في كثير من الأحيان كما يُقال “بعد البيدر”: تجصيص
الدار من الداخل، شراء ملابس جديدة لا على سبيل التغيير، بل من أجل فرحة الصغار، أو بسبب
الرقع التي اجتاحت ملابس العام الماضي.
وربما كبر أحد الأطفال وازداد طولًا، فملابسه تتحول إلى الأخ الأصغر إن وجد، أو إلى رقع في ملابس
بقيّة الصغار في الحارة، أو ممسحة لأرضية الباطون في الدار…
نعود إلى البيت عند غياب الشمس، لا يفتقدنا أحد، أو بالأحرى، لم يسأل عنا أحد. نعم، لم يكن أحدٌ
يسأل: “أين كنّا؟”
ليس لأنهم لا يهتمّون، بل لأنهم يعرفون، بيقينٍ قرويٍّ راسخ، أننا كنّا في حضن الجماعة، في أمان
الناس، في أحضانٍ غير مرئية ولكنها حاضرة كظلّ الجبال.
لم يكن أحد يسأل: أين نُصلّي؟ أو في أي بيتٍ وُلدنا.
كلّ الوجوه تعرفنا، وكلّ البيوت كانت تفتح لنا أبوابها.كنّا أطفال الجميع، نخصّ أهلنا بالاسم، لكننا
نخصّ كل ماعين بالمكانة.
كانت القلوب تسبق الخطى لحمايتنا، والعيون تتبعنا دون أن نراها، مثل دعاء خافت من جدّة لم تبرح
عتبة الدار، لكنها تعرف أين كنّا، ومع من، ومتى سنعود.ذاك هو أمان القرى، لا تكتبه قوانين، بل
ينسجه الناس بأفعالهم، بنواياهم، بخوفهم النبيل علينا دون أن يُظهروا قلقهم…
كان ذاك الأمان نعمة لا ندركها إلا حين يكبر فينا الغياب، نعمة أن تكون طفلًا في قرية، وأن تكون
تلك القرية ماعين.
كان يومنا لا ينتهي إلا ونحن نعود بكيسٍ ممتلئ بالحلوى.وفي كثير من الأحيان، كنّا نُخبّئ الكيس
الأول بعد امتلائه في شقوق “الصير” (بتسكين الصاد، وتشديد الياء) – أسوار من حجارة – لئلا يراه
من نُعايدهم، ونحمل الكيس الفارغ الآخر…
فكثير ممن يستقبلوننا يقولون: “علام كيسك فاضي؟ عبّيه يا أم فلان!”كانت خطّة طفولية للحصول
على أكبر قدرٍ من الحلوى. ذاك اليوم لا نعود لبيوتنا للغداء فقط، بل نستمر بالدوران واللف على
البيوت.لا نجوع، فالحلوى كفيلة بنا، وأحيانًا قطعة خبزٍ محلاّة تصنعها بعض البيوت.ونحن نعرف
هذه البيوت من خبراتنا في الأعياد السابقة، أو من خبرات من سبقونا:
“روحوا على بيت فلان وقت الظهر، بتكون أمهم خلّصت خبزهم الزاكي… بلكي يصحلكم شويّة.”
أما بيت (أبو صبري)، عليه رحمة الله، إمام مسجد ماعين، فكان بالنسبة لنا واحدًا من أفضل البيوت.
يخرج علينا كأنّه خرج من كتابٍ ثمين، عينيه تشعّان بدفء خاص، وصوته، حين يحيينا، يحمل شيئًا من
الخشوع وكمًّا من الاحترام.ترحيبه يدهشنا، فلهجته مختلفة، ولباسه يلمع، وعمامته فيها لونٌ أحمر
وأبيض – على ما أذكر – ولديه حلوى مميّزة دائمًا، يرافقها كرم طاغٍ.لربما حلقوم، أو حبات حلوى
ملفوفة كحلوى “الناشد”، لكنها مختلفة، فتدهشنا…فمعظم ما نجمعه من البيوت يكون بلا غطاء
ورقي، بل غطاء من سكرٍ ناعمٍ خفيف.
أما البيوت التي كانت قد فقدت عزيزًا، فنعرف أن لا عيد فيها، فلا نُعايدهم، احترامًا لروح الفقيد،
ولحزنهم، ولذاكرتهم…
لكن إن أخطأنا أو نسينا وطرقنا بابًا غير مُحتفل، أي لا يوجد فيه حلوى، فقد يخرج أهل البيت
ويُعطوننا “تعريفة” لكل واحد، لنذهب ونشتري بها حلوى… فهم لا يكسرون القلوب الصغيرة.
عيد الفطر في ماعين لم يكن يومًا فحسب، بل طقوسًا من الطفولة، صيغت من تراب البيوت،
وملح الخبز، ونداوة الحقول، ومن أصوات الأمهات وهي تنادي، وآباءٍ كانت تكفي نظراتهم لتزرع فينا
الاطمئنان.كان العيد قصيدةً بسيطةً تُقرأ بالأقدام الدائرة على البيوت، وبالقلوب التي لا تعرف إلا
الفرح، وبالكلمات التي لم تكن تُقال، بل تُعاش.
نعم، نحن من أولئك الذين جمعوا الحلوى في أكياس، لكننا جمعنا معها حبًّا لا يُشترى، وعلاقة نادرة
مع البيوت وأصحابها، وخبرة غريبة بوجوه الناس، وكأنّ الله أراد لنا أن نحفظهم، لأنّهم كانوا مرآتنا،
ومرجعنا، ودفتر طفولتنا.
نعود ونحن نحمل كنزًا سيكفينا فترةً طويلة، نُخبّئه في أسفل “المطوى”، فهناك تُكدّس الفرشات
التي لا تُخرج إلا للضيوف أو للتشميس، فنطمئن لهذا المخبأ…نُخرج منه قليلًا، ونتقاسم بعضًا منه
مع الأصغر منّا أو الأخوات، فالبنات لا يُعايدن كما نحن الأولاد…
أشرح طوال الليل لأمي عن بيت فلان، ومن أعطانا هذا النوع من الحلوى، ومن سأل عنها أو عن أبي،
ومن لديه الحلوى الأطيب…وندعوها لزيارة بيت فلان، فالحلوى عندهم كثيرة وزاكية.
تلك كانت أعياد الفطر في ماعين، بالنسبة لنا نحن الصغار، فرحةً أكبر من كل الأعياد…فما جمعناه
من حلوى، ومودّة، ومعرفة، وخبرة بالناس…ما جمعناه من صدقهم، وما ترسّخ من إيماننا بأننا
واحد، مهما اختلفت أعيادنا،كان كنزًا لم ولن أنساه…بل إنني – حتى هذه اللحظة – لا ولن أنسى
ابتسامة الشيخ أبو صبري حين يرى دهشتنا من شكل الحلوى التي منحنا إيّاها.


