كتب ماجد شاهين
في يفاعتي و مُنذها و ما قبل ، كنتُ تَتَبَعْت ُ مقام َ التعبِ و مقامات الشوق ِ العديدة ، كنت ُ ألمحها
و أقرأ و أسمع روحها في الشوارع و في استراحات المدرسة ، بين الحصص وفي ” الفرصة ” التي كنّا
نخرج فيها بوصفها فاصلا ً بين وجبتين تعليميّتين ، يتناول فيها نفر ٌ قليل ٌ من الأولاد ما لذّ لهم
وطاب ، أعني في الفرصة ، فيما كان الكثيرون يلوذون بالصبر والانتظار والاختباء وراء الدفاتر
والحكايات الصغيرة و يزعمون أن ّ أولويّاتهم تروح نحو سؤال في الكتاب أو مقطوعة أدبيّة تشرح
سيرة ً أو جزءا ً من تاريخ ٍ لا ندري من كتبه أو اجترحه أو عاشَه .
ذاك كان جزءا ً من مقام التعب ، و ما تلا ذلك في الحارات والشوارع والمنازل الصغيرة ، من عوز و
انتظار للحصول على حاجة ، لا ينفع تجاهله أو القفز عنه لتجميل الصورة والحكاية والتعلّق بفكرة
الصبر . كان تعب ٌ كثير يقتحمنا و كان شوق كثير يكتنفنا .
لكنّ مقامات الشوق أخذت منّا الوقت و صنعت حكاياتنا ، فكان شوق كثير نراه و نحسّه و نجده في
أطراف حاراتنا و في الشوارع و الحافلات القليلة و في دكاكين الفستق وأباريق الوضوء والشمع ، و
كنّا نقرأ مقامات عالية الروح في وجوه الباعة و الحصّادين حين يؤوب نفرٌ منهم إلى منازلهم في
المدينة أو حين يسعون لشراء مؤونة أيّامهم من السوق .
عربة الفلافل
كان تعبٌ كثير يحيط بنا و كان شوقٌ كثير يدفعنا إلى التأمل والتوقف هناك عند ” عربة الفلافل ” في
مربّعة المدينة في ستينيّات القرن الفارط أو عند رجال يجلسون إلى رصيف يلعبون ” النرد وحجارته ”
عند باب مقهى عمر في وسط السوق أو عند باب محلّ كوي الملابس ” وكان يملكه ويعمل فيه
الرجل الأنيق دائما ً سمعان السرياني ، كانت الأرصفة ملاذهم حينما لا ينفع أن يغادروا متاجرهم .
كنّا نظن ّ اللاعبين يصنعون أمرا ً فارقا ً حين تتحرّك حجارة النرد و الزهر بين أيديهم ، كأنّما ينقلون
العالم من جهة إلى أخرى و من صخب ٍ إلى أخر .
كان شوق كثير ، ولو كان على هيئة حلم ٍ ليافعين ، يجرّنا إلى انتظار ٍ عند مخبز الحارة لنحصل على
ضحكة من امرأة خرجت لتوّها بخبزها الساخن .
وكنت ُ ، وعلى نحو يتّصل بي ، في الطفولة ، أكتفي برائحة البزر المحمّص عند ” حنّا زادة ” بوسط
مادبا ، وكثيرا ً ما كانت تختلط رائحة البزر برائحة البن ّ ورائحة الكاز هناك .كانت رائحة البنّ والبزر
والكاز والفلافل ، تقتحم حياة طفلٍ أو صبيّ أو يافع ٍ و تجعل منه باحثا ً الجمال والدهشة .
كانت أشواق البلاد عديدة وناصعة ، وكان تعبٌ كثير يهد ّ الحيل و يدفع الآباء والأمّهات للمناداة على
أبنائهم اليافعين لكي يؤوبوا إلى بيوتهم .
مطر الغيم
كانت أشواق عديدة ، كما الآن ، لكنّها في حينه التصقت باليقين .واليقين يعني أن ّ أيّامنا لنا والدفاتر
والمناجل والقمح و الزعتر و عتبات الدور والمساجد والكنائس و مطر الغيم .كان مطر ُ الغيم ِ لنا
.كان .18 تموز 2025


