بقلم رزان عبدالهادي
في السنوات الأخيرة، شهدت بعض الدول العربية مثل الإمارات وقطر والسعودية ومصر قفزات نوعية في أعداد السياح، حتى باتت تتنافس على المراتب الأولى في الشرق الأوسط من حيث الجذب السياحي. واللافت أن هذه الدول، رغم تشابهها الثقافي والديني إلى حد كبير، بدأت تعيد رسم ملامح الفضاء العام بما يخدم رؤاها التنموية والاستثمارية، وعلى رأسها السياحة.
لكن ماذا عن دول أخرى، تقف في موقع الانتظار؟ تتحدث كثيرًا عن “أصالة العادات والتقاليد”، وتضعها كمعيار حاكم على كل زائر، ثم تتساءل: لماذا لا يأتي إلينا السياح؟
الجواب قد يكون في الخلط بين ما هو فضاء خاص، وما هو فضاء عام.
في الفضاء الخاص، يمارس الفرد طقوسه، دينه، عاداته، كما يشاء، ما دام ذلك لا يتعدى على الآخرين. غرفة الشخص، منزله، أو حتى حياته الشخصية، هي ساحته الحرة التي يُفترض أن تُحترم خصوصيتها.
أما الفضاء العام، فهو مشترك، ويُفترض أن يكون أكثر شمولًا وانفتاحًا، لا يُفرض فيه نمط حياة واحد، ولا يُعاقب فيه من يختلف عن السائد. الفضاء العام هو المطار، الشارع، المقهى، الشاطئ، الفعالية الثقافية أو الموسيقية… هو الوجه الذي نُظهره للعالم.
حين نُحمّل الفضاء العام بثقل العادات والتقاليد، فنحوّله إلى ساحة محاكمة يومية للسلوك واللباس والكلام، فإننا نخسر جاذبيته. ولا يمكن لدولة أن تنفتح على العالم وفي الوقت نفسه تضيّق على الزائر وتطلب منه أن “يُشبهنا” حتى نسمح له بالمرور.
السياحة ليست فقط شواطئ وآثار. السياحة تجربة، وإحساس بالترحيب، وحرية في التنقل والعيش المؤقت في فضاء لا يُحاكمك على هويتك. لذلك، فإن الدول التي نجحت، لم تتخلَّ عن هويتها، بل أعادت تعريف الفضاء العام بما يتسع لاختلاف الآخرين، بينما احتفظت بخصوصياتها في فضاءها الداخلي، وفي دوائرها الثقافية الأصيلة التي تبقى محفوظة لمن يريد التعمّق.
الخلط بين العام والخاص لا يخنق السياحة فحسب، بل يخنق المجتمع نفسه، ويحوّل العيش المشترك إلى حالة من التوتر. فحين يُراقب الناس بعضهم بعضًا في الشارع باسم التقاليد، تصبح الحياة ذاتها معركة.
والمعادلة بسيطة:
إذا أردت أن تحترم خصوصيتك، عليك أن تحترم فضاء الآخرين.
وإذا أردت أن تبني سياحة حقيقية، توقف عن تحويل العادات إلى قوانين عامة.


