بقلم: موسى الدردساوي
في حياة الأوطان كما في حياة البشر تأتي لحظات لا تحتمل التردد ولا تمنح أحدًا رفاهية تأجيل القرار. وحين يصبح الوطن هو الهدف تتضاءل التفاصيل وتتراجع الخلافات ولا يبقى في المشهد إلا سؤال واحد: كيف نحمي البيت الذي يجمعنا جميعًا؟
الاختلاف في الرأي حق أصيل كفله الدستور والقانون وهو دليل على حيوية المجتمع وقدرته على الحوار لكن هناك مساحة تعلو على كل خلاف، هي أمن الوطن واستقراره وسيادته.
تلك ليست ملفات سياسية قابلة للمساومة بل ركائز تقوم عليها الدولة ويستند إليها حاضرها ومستقبل أجيالها.
وتبدأ الإشكالية حين يختلط حق الاختلاف بواجب الانتماء فالنقد ضرورة لكنه يفقد قيمته عندما يتحول إلى أداة تُضعف الجبهة الداخلية أو إلى خطاب يزرع الشك في مؤسسات الدولة أو يفتح نافذة أمام روايات لا تريد للأردن خيرًا عندها يصبح الوعي خط الدفاع الأول، وتغدو المسؤولية الوطنية امتحانًا للجميع.
وليس الدفاع عن الوطن حكرًا على ميادين القتال رغم أن قواتنا المسلحة وأجهزتنا الأمنية ستبقى عنوان التضحية والوفاء فهناك جبهة أخرى لا تقل أهمية هي جبهة الوعي فيها تُواجه الإشاعة بالحقيقة والتحريض بالحكمة واليأس بالأمل وفيها قد تكون الكلمة الصادقة أشد أثرًا من ضجيج كثير لأنها تحرس العقول قبل أن تحرس الحدود.
لقد أثبتت التجارب أن الأوطان لا تُهزم بالخطر الخارجي وحده بل قد تنال منها الانقسامات والتردد وتغليب المصالح الضيقة على المصلحة العامة. أما حين تتماسك الجبهة الداخلية فإن رهانات المتربصين تتهاوى مهما امتلكوا من أدوات أو وسائل فالبيت الذي تتماسك جدرانه لا تهزه الرياح.
ولم يكن الأردن يومًا بعيدًا عن الأزمات لكنه عرف كيف يعبرها بثبات. فقد امتلك قيادة حكيمة أحسنت إدارة التحديات وشعبًا أدرك أن قوة الدولة ليست مكسبًا لفئة بل ضمانة للجميع ولهذا بقي الأردن واحة استقرار وسط إقليم تعصف به التحولات محافظًا على أمنه وثوابته رغم قسوة الظروف.
والوطنية ليست شعارًا يُرفع عند الحاجة ولا صوتًا يعلو على غيره إنها موقف يُترجم بالفعل قبل القول وإدراك بأن للوطن حقًا في أعناق أبنائه كما لهم حقوق عليه فمن أراد وطنًا قويًا فليكن لبنة في بنائه لا ثغرة في جداره.
ويبقى المبدأ ثابتًا لا يقبل التأويل: عندما يُهدَّد الوطن لا يبقى ما هو أهم من الوطن عندها يصبح الدفاع عنه مسؤولية مشتركة يؤديها كل إنسان من موقعه وبقدر ما يستطيع أما الحياد في لحظات الخطر أو البحث عن المبررات فليس إلا وهمًا سرعان ما تكشفه الوقائع فالأوطان لا يحميها المترددون بل أولئك الذين يدركون أن الانتماء مسؤولية قبل أن يكون امتيازًا وأن راية الوطن لا تبقى مرفوعة إلا بسواعد أبنائه وإخلاصهم.
عندما يُهدَّد الوطن… لا يبقى إلا الوطن


