كتب – المهندس خالد باز حدادين
تحمل الحياة في القرى أجمل الذكريات البسيطة، تلك الذكريات التي لا زالت تحفر في اللاوعي لدينا
دروبًا وأخاديد لا يمكن تجاوزها عند مرورنا بمواقف يومية تحملنا فوق جناح الذكريات عبر مسارات
الزمن، لتعيد فينا رعشة لذيذة جميلة – فكل شيء صعب تحمله… لذيذٌ تذكره.
ومن تلك الذكريات، ومع شدة البرد هذه الأيام، تذكّرت كيف كنا نستحمّ كأطفال في برد الشتاء في
ففي موعد الاستحمام الكامل في أشهر الشتاء الباردة، والذي قد يكون أسبوعيًا أو حتى كل عشرة
أيام، وبعد أن يكون البرد قد نخر عظامنا ونشّف أطراف أصابع اليدين والقدمين في المدرسة، حيث
كانت معلماتنا ومعلمونا يعلموننا كيف نخرج الحرارة من خلال فرك اليدين معًا بشكل سريع
ومستمر، أو الدبك على أرضية الصف أثناء الجلوس لتدفئة القدمين.
كان ذلك الموعد موعد الاستحمام مصدرًا لرعب الأطفال وملهِمًا للطفل للتفكير في الهروب
وتجاوز الموعد أو تأجيله ليوم آخر، فإن نجح في هذا المسعى، أخذ يتفاخر أمام إخوته أو رفاقه
مبتسمًا ومفتخرًا بإنجازه الكبير بقوله: “امبارح مزطت من الحمام”. لم يكن خوفنا كأطفال من
الظلام ولا من الأشباح التي حكت لنا عنها الجدات، بل كان خوفًا أكثر واقعية، أكثر وحشية، من البيئة
والطبيعة والمكان – فوبيا الاستحمام.
أتذكر أيام الطفولة في ماعين، حين كان خير السماء أكثر وكنا نهتم بالأرض وكأن السماء تعطي
الأرض بقدر ما نهتم بها، فعندما قلّ الاهتمام قلّ الخير، لكن برد الشتاء بقي. لم يكن هناك تدفئة إلا
ما تيسّر من صُوَبات علاء الدين، التي كانت فاكهة شتائنا وحلويات ليالينا حين تُشعل، وإن كانت قد
نُقلت إلى موقع استحمامنا ذات مرة، فقد كانت لنا كالملاك الحارس في ذلك الموعد الذي لا مفر
منه، ذلك المكان الذي يشبه غرفة تعذيب مؤقتة. فالحمام لم يكن مجهزًا بتدفئة، ولا صوبة، ولا حتى
كانون حطب، بل كان مجرد غرفة وقد تكون مترامية الأطراف، وموقع الموعد المشؤوم منفصل
عن بقية المنزل ببعض الشراشف المعلّقة على حبل غسيل داخل تلك الغرفة، كون الجو بالخارج
شتاءً لا تجف فيه الملابس، وكان مكانًا لا يحمل أي تعاطف مع الداخل إليه.
لم يكن هناك دوش، ولا حتى أنابيب مياه حديثة. لم يكن الماء ينساب من الحنفية، لأنه لم تكن هناك
حنفيات أصلًا. كل ما كنا نحصل عليه من ماء دافئ هو ماءٌ تم تسخينه داخل تنكة زيت قديمة، أو
نُصّيَة حلاوة شامية، أو علبة “أم عشر أواق -سمن الغزالين “، ذلك الاسم الذي يحمل في طياته
ذكريات الزمن البسيط (كانت علبة فارغة لسمن نباتي وزنها عشر أواق). بعد أن يغلي الماء، كنا
نخففه بدلوٍ من الماء البارد، ثم نبدأ في صب الماء على أجسادنا المرتجفة بواسطة كيلة بلاستيكية،
وكأننا نمارس طقسًا من طقوس التحمل الإجباري.
لكن البرد لم يكن المشكلة الوحيدة. كانت هناك مشكلة أكبر، أكثر تهديدًا وأكثر رعبًا لنا كأطفال، وهي
زجاجة البلّورة رقم 4، التي كانت رمزًا قائمًا بذاته، وكان مصدر رعبنا أن أي انتفاضة لأجسامنا من شدة
البرد أو أثناء صب الماء فوق رؤوسنا قد تتسبب في تطاير قطرات الماء نحو هذه الزجاجة التي تكون
حارة جدًا، فينكسر الزجاج، وعندها يشعر الطفل بانهيار العالم من حوله. وكأن الفيلسوف ديكارت
يقول: “أنا أرتعش، إذن أنا موجود”، فتلك الرعشة ذكرتنا بوجودنا داخل هذا المركز التعذيبي، حيث إن
الرعشة ستؤدي حتمًا إلى عقاب مزدوج: البرد القارس أثناء محاولة فحص زجاج البلورة من قبل الأم
ومدى صلاحيته، وكفٍّ مؤلم أو قرصة أذن لا مفر منها بعد ذلك، مع جملة تهديد إذا تكرر الأمر في
المرة القادمة، التي كنا نتمنى أن تتأخر.
أما لحظة الفرك، فكانت كفيلة بأن تُنسينا البرد والخوف، وتحفر في ذاكرتنا ندوبًا أبدية. الأم، بتلك
القوة التي لا تُهزم، كانت تفرك أجسادنا بليفٍ أصلي، لا ذلك البلاستيكي الناعم. لم يكن الهدف
التنظيف فحسب، بل نوعًا من إعادة التشكيل، تقشير طبقة من الجلد تحت ذريعة إزالة الأوساخ،
حتى أننا كنا نظن أن أرواحنا ستنفصل عن أجسادنا من شدة الفرك.
هذا الخوف الطفولي لم يكن مجرد لحظة عابرة في حياتنا، بل كان رفيقًا لنا حتى الكبر. تحول إلى ذكرى
ساخرة نرويها بضحكات مجروحة، لكنه ظل درسًا في التحمل، في مواجهة البرد والخوف والتربية
الصارمة، درسًا علمنا أن النجاة من حمام الشتاء في معين كان بمثابة عبور امتحان قاسٍ للحياة
نفسها، ذلك الشتاء الذي كان مليئًا بالخير عندما كانت الأرض هي مصدر رزقنا الأساسي إن لم يكن
الوحيد، ويبدو أن السماء كانت تعطينا بقدر ما نعطي الأرض… إنها دورة الحياة.


