بقلم: الدكتور علي الفريحات
اليوم تبكي كل الأردن… عشر جنازات لشهداء الغدر في الكرك… لكن الأردن الذي قال عنه الرسول من قتل ذمياً فبينه وبين الجنة سبعون عاماً… لن تكسره رصاصة
بسم الله الرحمن الرحيم
اليوم… ليس يوماً عادياً في تاريخ الأردن…
و… تخرج عشر جنازات من قرية حمود في الكرك… من كنيسة مسيحية صلى فيها أهلنا منذ مئات السنين…
عشرة… كانوا يصلون… كانوا يشيعون سيدة… فشيعهما الغدر معها… برصاص جبان… لا يعرف ديناً ولا خلقاً…
لعن الله من قام بها…
وهنا… يجب أن نقول للعالم كله… ما هو الأردن؟
الأردن واحة الأمن والأمان والاستقرار…
في عالم يحترق من باكستان إلى ألمانيا… من إيطاليا إلى أمريكا… كما كتبنا قبل أيام… العالم بلا بوصلة… وحدها الأردن بقي واحة…
لماذا؟ لأن الأردن ليس دولة صنعتها بريطانيا بمسطرة سايكس بيكو… الأردن دولة صنعتها عترة النبي… آل البيت… الهاشميون…
الأردن بلد المهاجرين والأنصار…
ألم يفتح الأردن أبوابه للفلسطيني عندما هجر في 48 و 67؟ فأصبح أخاً لا لاجئاً… ألم يفتح أبوابه للعراقي عندما ذبح؟ للسوري عندما شرد؟ لليمني؟ للمصري؟ للبناني؟
الأردن لم يقل يوماً هذا سوري وهذا عراقي… قال: هذا مهاجر… وأنا أنصار… كما آخى الرسول بين المهاجرين والأنصار في المدينة… هذا هو نهج الهاشميين… من شريف مكة إلى الملك عبدالله الثاني…
الأردن بلد من يكون به ضيفاً فهو مقدم على أهل البيت…
هذه ليست شعاراً… هذه ثقافة أردنية أصيلة… في الكرك… وفي إربد… و السلط… و الطفيلة… إذا دخل الضيف… ذبحوا له… وقدموه على أبنائهم… حتى لو كان عابر سبيل…
فكيف بمن عاش معنا مئات السنين؟ مسيحيو الحمود… من عشيرة الهلسة… هم ليسوا ضيوفاً… أهل البيت… هم من قدموا القمح للمسلم… ومن حماهم المسلم بدمه…
الأردن بلد تحكمه فئة من عترة النبي عليه الصلاة والسلام…
وهنا سر الأمان…
الأردن تحكمه عائلة… نسبها ينتهي إلى الرسول محمد صلى الله عليه وسلم… إلى الحسن والحسين… إلى فاطمة الزهراء…
ولذلك… الأردن لا يحكم بالعصبية القبلية… ولا بالمال النفطي… ولا بالانقلابات… الأردن يحكم بالبركة النبوية… بالحلم الهاشمي… بالعهدة العمرية… برسالة عمان 2004…
والدليل… قول الرسول صلى الله عليه وسلم…
الحديث الشريف الذي يجب أن نكتبه بماء الذهب اليوم…
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
“من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاماً”
وفي رواية:
“من قتل ذمياً فهو بينه وبين الجنة سبعون عاماً”
ذمياً… معاهداً… أي مسيحي أو يهودي يعيش بين المسلمين بعهد وأمان…
فما بالك بمن قتل عشرة ذميين معاهدين… وهم يصلون في كنيستهم؟ مصلين… آمنين… في محراب… في قرية أردنية… تحت حماية هاشمية؟
هذا الذي قتل… بينه وبين الجنة سبعون عاماً… بل لن يشم رائحة الجنة… كما قال الصادق المصدوق…
هذا هو ديننا… هذا هو إسلامنا… إسلام عترة النبي الذين يحكمون الأردن…
فما جرى في الكرك… ليس اعتداء على مسيحيين فقط… بل اعتداء على حديث الرسول… وعلى عترة النبي… وعلى الأردن كله…
غداً… عشر جنازات… لكن الأردن باقٍ
غداً ستبكي إربد مع الكرك… وستبكي عمان مع الحمود… وسيبكي المسجد مع الكنيسة… وسيبكي المسلم مع المسيحي…
سنحمل عشرة نعوش… مسلم ومسيحي يحملونها معاً… كما حمل المسلمون والمسيحيون نعش يعقوب الكركي… نائب القدس…
وسنقول للغادر:
أنت لم تقتل عشرة… أنت أيقظت 12 مليون أردني…
أيقظت المهاجرين والأنصار…و الضيف المقدم على أهل البيت… أيقظت عترة النبي التي تحكم…
وجاء رد الملك من الكرك… كما سمعناه:
“دم الأردني غالي… وسنضرب بيد من حديد… ولن ينفذ بيننا غدر…”
هذه هي بوصلة الأردن في عالم بلا بوصلة… كما كتبنا في مقالنا السابق…
عالم منقسم: قوة تملك السلاح… وقوة تملك المال… وقوة تملك البشر… وتائهة…
أما الأردن… فيملك البوصلة الرابعة… بوصلة الأخلاق المحمدية…
حفظ الله الأردن… واحة الأمن… بلد المهاجرين والأنصار… و المحبة والخير… و الضيف المقدم… بلد عترة النبي…
ورحم الله شهداء الحمود العشرة… وجعل مثواهم الجنة… ولعن الله من قتل ذمياً… فبينه وبين الجنة سبعون عاماً…
إنا لله وإنا إليه راجعون


