بقلم : الدكتور محمد الحناقطة الحميدات
ما أشدّ التناقض حين يرفع إنسانٌ شعار الدين بيد ويحمل في اليد الأخرى مشاعر الكراهية والعداء لكل من يختلف معه. وما أشدّ المفارقة حين يتحدث عن الرحمة وهو يمارس الإقصاء ويتغنّى بالأخلاق وهو يعتدي على الآخرين ويدّعي الدفاع عن عقيدته بينما يجعل من نفسه شاهدًا على أسوأ ما يمكن أن يفعله التعصّب بالإنسان.
إن الذين يحاربون الأديان الأخرى ويسعون إلى تشويهها والاساءة لاتباعها والتحريض عليهم لا يدافعون عن الدين بقدر ما يكشفون عن ضيق أفقهم وعجزهم عن التعايش مع الاختلاف. إنهم يتوهّمون أن الإيمان يزداد قوةً كلما اشتدّ عداؤهم للآخرين وكأن كرامة الإنسان لا تُصان إلا بالتعدي على من يختلف معه وكأن العقيدة لا تثبت إلا إذا حُورب أصحاب العقائد الأخرى.
أيّ ضعفٍ فكري وأخلاقي هذا الذي يجعل الإنسان يخشى وجود معتقدٍ مختلف إلى جواره؟
إن الدين الذي يحتاج إلى الكراهية كي يدافع عنه أتباعه أو إلى التعدي على الآخرين كي يشعروا بقوته ليس هو المشكلة بحد ذاته بل المشكلة في العقول التي اختزلت الإيمان في الخصومة وحوّلت الاختلاف إلى معركة وجعلت من التعصّب فضيلةً ومن الإساءة بطولةً زائفة.
والأكثر إثارةً للاستنكار أن بعض هؤلاء يتحدثون باسم الدين بينما يتجاهلون سيرة الرسول ومواقفه التي تكشف عن احترامه للآخرين وعن قدرته على التعامل مع المختلفين عنه في الدين دون أن يتخلى عن عقيدته أو يحوّل كل اختلاف إلى عداوة.إن سيرة النبي محمد ﷺ تقدم شواهد واضحة على أن التمسك بالدين لا يستلزم التعدي على أصحاب الأديان الأخرى أو الاعتداء عليهم.
كما أن القرآن الكريم يضع مبدأً بالغ الوضوح في قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (البقرة: 256). ويقول سبحانه: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (العنكبوت: 46). ويقول أيضًا: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ (الممتحنة.
وتروي كتب الحديث أن النبي ﷺ مرّت به جنازة فقام لها فقيل له إنها جنازة يهودي فقال: أليست نفسًا؟ إنسان يموت فيقف له النبي احترامًا لحرمة النفس البشرية وحين يُذكَّر باختلاف دين صاحب الجنازة لا يتعامل مع ذلك الاختلاف بوصفه سببًا لإهدار كرامته. أيّ درسٍ أبلغ من هذا في إنسانية التعامل؟ وأيّ تناقضٍ أوضح من أن يزعم المرء التدين ثم يستخفّ بكرامة إنسان لمجرد أنه يعتنق دينًا آخر؟
إلى أولئك الذين يسيئون إلى اتباع الديانات الاخرى ثم يدعون التدين لتبرير مواقفهم نقول: إن الانتساب إلى الإسلام ليس صكًّا يمنح صاحبه حصانةً أخلاقية وليس تصريحًا مفتوحًا لمحاربة الآخرين. فالمسؤولية الأخلاقية لا تسقط عن الإنسان لأنه يرفع شعارًا دينيًا بل قد تصبح أشدّ حين يستخدم المقدّس لتبرير الإساءة.
لا تجعلوا تعصّبكم تهمةً في حقّ دينكم
إن أشدّ ما يسيء إلى الدين ليس وجود إنسان يختلف معه بل أن يتحول بعض المنتسبين إليه إلى دعاة كراهية باسم ذلك الدين. إن من يحارب الأديان الأخرى باسم الدين لا يصبح ممثلًا لذلك الدين لمجرد أنه يرفع اسمه فالأسماء تُرفع بسهولة أما الأخلاق فتحتاج إلى أن تُمارَس.
فليس من البطولة أن تجعل من يختلف معك عدوًّا ولا من الإيمان أن تعادي من لا يشبهك ولا من نصرة الدين أن تحوّل البشر إلى أهدافٍ لغضبك. إنما الاختبار الحقيقي للإيمان هو أن تتمسك بقناعاتك دون أن تتخلى عن عدلك وأن تدافع عن معتقدك دون أن تنكر إنسانية غيرك.
ذلك هو الفارق بين من يحمل الدين بوصفه مسؤوليةً أخلاقية ومن يستخدمه ستارًا لتعصّبه.


