كتب: الدكتور محمد الحناقطة الحميدات
في زمن أصبحت فيه الكلمات تنتقل بسرعة تفوق سرعة فهمها قد تتحول عبارة واحدة إلى قضية وقد يُساء تفسير تصريح عابر ثم يجد صاحبه نفسه أمام ردود فعل لم تضع تصريحه في سياقه الكامل .وهذا ما حدث مؤخرًا مع الأستاذ الدكتور أخليف الطراونة وهو شخصية علمية وإدارية معروفة أفنى سنوات طويلة من عمره في خدمة العلم والمؤسسات العلمية والطلبة والمجتمع.
ومن المؤسف أن تُختزل مسيرة شخصية علمية وإدارية بهذا الحجم في تصريح واحد فُهم بطريقة مختلفة عن مقصده أو أن تُقاس مكانته العلمية والإدارية بردود فعل عابرة على وسائل التواصل الاجتماعي. فمثل هذه القامات تُبنى مكانتها عبر سنوات طويلة من العمل والعطاء والإنجاز ولا يمكن اختزالها في موقف واحد أو عبارة واحدة.
إن الاختلاف في تفسير الكلام أمر طبيعي ولا أحد فوق النقد أو المراجعة. غير أن هناك فرقًا كبيرًا بين النقد الموضوعي الذي يبحث عن الحقيقة وبين الهجوم الذي قد ينطلق من افتراضات مسبقة أو من قراءة مجتزأة للكلام. فالعدل والموضوعية يقتضيان أن نسمع التصريح كاملًا وأن نقرأه في سياقه وأن نفهم الظروف التي قيل فيها ثم نكوّن حكمًا على المقصود قبل أن نكوّن حكمًا على صاحبه.
ومن هنا فإن الإنصاف يقتضي ألا تُلغى سنوات طويلة من العمل والإنجاز بسبب جملة فُهمت بطريقة مختلفة أو تصريح أُخرج من سياقه. كما أن الاختلاف مع رأي أو طريقة تعبير لا ينبغي أن يتحول إلى إساءة لشخص أو انتقاص من تاريخه ومكانته.
إن القامات العلمية والإدارية تُبنى مكانتها عبر سنوات طويلة من العمل ولا ينبغي أن تهدمها قراءة متسرعة أو تفسير غير مكتمل
والدفاع عن شخص في مثل هذه الحالة يعني المطالبة بالإنصاف والتأكد من المقصود ووضع الكلام في سياقه قبل إصدار الأحكام. فإذا كان هناك ما يستحق النقد فليكن النقد واضحًا وموضوعيًا ومحترمًا.
وفي النهاية قد نختلف مع التصريح وقد نختلف مع طريقة التعبير لكن يبقى هناك مبدأ لا ينبغي أن نختلف عليه: أن نختلف بعد أن نفهم وأن ننتقد بعد أن نتثبت وأن نضع الموقف في سياقه قبل أن نحكم عليه.
فالإنصاف لا يعني أن نقول إن صاحب التصريح لا يخطئ وإنما يعني ألا نختزله في خطأ محتمل وألا نجعله مخطئًا قبل أن نفهم ما أراد قوله.
وقبل أن نرفع أصواتنا في مواجهة الآخرين ربما يكون من الحكمة أن نخفضها قليلًا لنسمع ما كانوا يحاولون قوله.
فالكلمة قد تُفهم بأكثر من طريقة أما الحكم العادل فيحتاج إلى فهم كامل للسياق وإلى قدر من التريث والإنصاف.


