كتب : المهندس خالد باز حدادين
دولة الرئيس،
إذا كان الإصلاح الإداري هو الخطوة الأولى، فإنّ جوهره ليس إنشاء اسم جديد أو إضافة طبقة إدارية أخرى، بل فصل الاختصاصات فصلًا تامًّا وواضحًا؛ بحيث تعرف كل جهة أين تبدأ صلاحيتها، وأين تنتهي، ومتى يصبح القرار في يد جهة أخرى.
المقترح هو إنشاء هيئة مستقلة للنقل والطرق والمرور، ترتبط مباشرةً برئيس الحكومة، وتتولى إدارة كل ما يتعلق بالحركة على مستوى المدينة وشبكتها العامة، بعيدًا عن السلطة البلدية المباشرة وعن التأثيرات المحلية أو الانتخابية وتبقى الطرق مابين المحافطات والمعابر الحدودية بيد الاشغال والنقل ما بينها بيد وزارة النقل. .
وفي المقابل، تبقى البلديات وأمانة عمّان مسؤولة عن وظائفها الأصلية: التنظيم، والأبنية، والخدمات البلدية، والنظافة، والحدائق، والأسواق، وسائر الشؤون المحلية.
لكن الحدّ الفاصل يجب أن يكون واضحًا:
ما يقع داخل حدود قطعة الأرض من أبنية واستعمالات وتنظيم وخدمات داخلية هو من اختصاص البلدية.
وما يتجاوز حدود قطعة الأرض ويؤثر في الطريق العام أو الحركة أو السلامة أو النقل العام هو من اختصاص الهيئة المقترحة.
بهذا الفصل تنتهي واحدة من أكثر حالات التداخل ضررًا؛ إذ لا تعود الجهة التي تمنح الترخيص داخل الأرض قادرةً وحدها على تقرير ما يحدث خارجها على شبكة الطرق.
فالبلدية تستطيع أن تدرس المبنى من حيث الارتفاعات، والارتدادات، ونسب البناء، والاستعمال، والمتطلبات الإنشائية، والخدمات الداخلية وغيرها.
امّا الهيئة، فتراجع ما يؤثر به المشروع خارج حدوده: التأثير على الطرق، وتأثير المداخل والمخارج، وحركة المشاة، والنقل العام، والمواقف على الشارع، والسلامة المرورية، وأداء التقاطعات، وقدرة الشبكة على الاستيعاب عدد الرحلات،الارصفة
وتتولى الهيئة كافة اعمال الطرق والصيانة والنقل.. وهذه جميعها مسائل تتجاوز حدود الأرض الخاصة، وتمسّ حقًا عامًا، ولذلك يجب أن تخضع لقرار جهة مستقلة تنظر إلى الشبكة كاملة، لا إلى حدود المشروع وحده.
لماذا يجب أن تكون الهيئة مستقلة؟
لأنّ الهيئة ستكون مطالبة أحيانًا برفض قرارات صادرة عن الأمانة أو البلدية أو تعديلها، فلا يجوز أن تكون جزءًا من الجهة التي تراقبها؛ إذ لا رقابة حقيقية لمن يخضع إداريًا وماليًا للمؤسسة نفسها التي يُفترض أن يراجع قراراتها.
لذلك، يجب أن تكون الهيئة خارج الهيكل البلدي ومرتبطة مباشرة برئيس الحكومة، حتى يبقى قرارها الفني محميًا من المصالح المحلية، والمجاملات الانتخابية، وضغوط المستثمرين، وطلبات فتح المداخل أو تعديل الشوارع أو منح الاستثناءات. فالقرار البلدي قد يتأثر برغبة مجلس محلي أو مطلب سكان أو وعد انتخابي، أمّا القرار المروري فلا يجوز أن تحكمه إلا أربعة معايير: السلامة، وكفاءة الحركة، وقدرة شبكة الطرق، والمصلحة العامة. وما عدا ذلك ليس تخطيطًا مروريًا، بل نقلٌ للمشكلة من باب المشروع إلى شوارع المدينة..
فالشارع العام ليس امتدادًا لقطعة الأرض، ولا ملكًا لصاحب المشروع، ولا مجالًا للتنفيع المحلي. وكل متر يُقتطع من قدرة الطريق لمصلحة خاصة، يدفع ثمنه آلاف المستخدمين.
لا ترخيص كاملًا قبل موافقة الهيئة
ينبغي أن يصبح الترخيص للمشاريع الكبرى مسارًا من مرحلتين متكاملتين:
المرحلة الأولى لدى البلدية، وتختص بما هو داخل حدود الأرض. والمرحلة الثانية لدى الهيئة تتكامل مع الاولى ، وتختص بما يخرج أثره إلى الطريق والشبكة العامة. ولا يصبح الترخيص نهائيًّا قبل صدور موافقة الهيئة على الأثر المروري وشروط الربط بالشبكة. وتكون هذه الموافقة ملزمة، وليست رأيًا استشاريًّا.
هيئة واحدة بثلاثة أذرع
تتكون الهيئة من ثلاث إدارات عامة مترابطة:
إدارة للطرق، تتولى التخطيط والتصميم والتنفيذ والصيانة وإدارة الأصول.
وإدارة للمرور، تتولى تشغيل الشبكة والإشارات والسلامة والمواقف والتحويلات ودراسات الأثر ومراكز التحكم.
وإدارة للنقل العام، تتولى المسارات والمحطات والتشغيل والتكامل ومستويات الخدمة.
ولا تعمل هذه الإدارات منفصلة، بل ضمن قرار واحد؛ لأنّ الطريق والمرور والنقل العام أجزاء من منظومة واحدة. فالطريق الذي لا يخدم النقل العام ناقص. والنقل العام الذي لا يحصل على أولوية تشغيلية ضعيف.
ولا يعني استقلال الهيئة أن تصبح فوق المساءلة.بل تُحاسب على نتائج محددة ومعلنة، مثل زمن الرحلة، والتأخير، والحوادث، وانتظام النقل العام، وسلامة المشاة، وسرعة إصدار القرارات، وكفاءة تنفيذ المشاريع.
دولة الرئيس،
لن تُحلّ أزمة المرور بالأدوات الإدارية نفسها التي أسهمت في إنتاجها، ولا بالاجتماعات والمؤتمرات والنوايا المخلصة وحدها. لقد شُخِّصت المشكلة مرارًا ومن أعلى المستويات، لكن التشخيص الذي لا يتبعه قرارٌ جريء يبقى وصفًا للأزمة لا علاجًا لها.
الحل يبدأ باستراتيجية واضحة، أولها ثورة تنظيمية علمية تفصل القرار المروري عن القرار البلدي، وتنشئ هيئةً مستقلة مرتبطة مباشرة برئاسة الحكومة، يقودها مختصون وتملك صلاحية مراجعة أي مشروع أو ترخيص يمتد أثره إلى الطريق العام. فما يقع داخل حدود الأرض تنظمه البلدية، أما ما يخرج منها إلى الشارع فهو شأن عام، لا يجوز أن يخضع للمجاملات أو الاجتهادات المحلية، بل للعلم والمصلحة العامة وقرار فني مستقل، مدعوم مباشرة من دولتكم.
وللحديث بقية في التفاصيل


