كتب : الدكتور محمد الحناقطة الحميدات
من أكثر المصطلحات تداولاً في المجالس والحوارات العامة مصطلح دولة المؤسسات. يردده الناس بإعجاب حيناً وبسخرية أحياناً خصوصاً عندما يكتشفون أن بعض المؤسسات لا تعمل بقوة أنظمتها بل بقوة أصحاب المكاتب فيها وأن نفوذ الأشخاص قد أصبح أقوى من هيبة المؤسسة نفسها.
تعريفي الشخصي المتواضع لهذا المصطلح: دولة المؤسسات يعني الدولة التي تُدار من خلال مؤسسات وقوانين وأنظمة ثابتة وليس وفق أهواء أو قرارات فرد واحد مهما كان منصبة .دولة المؤسساسات تكون فيها المؤسسة أكبرمن المسؤول يحكمها القانون والإجراءات والمؤسسات الدائمة لا المزاج الشخصي أو النفوذ الفردي.إذا غادرها المسؤول بقيت كما هي ولم تتاثر بغياب ذلك المسؤول.
سؤال: كيف نعرف أننا نعيش في دولة مؤسسات؟
جواب: عندما تستطيع إنجاز معاملتك من خلال النظام والتعليمات لا من خلال معرفة اسم المسؤول واسم سائقه واسم ابن عمه الذي يعمل في الطابق الثالث.
سؤال: متى نبدأ بالشك أننا لسنا دولة مؤسسات؟
جواب: عندما تصبح أهم معلومة في أي دائرة هي: من المسؤول الحالي؟ وليس ما هو النظام المعمول به؟
سؤال: وما هي العلامة الأكثر وضوحاً؟
جواب: عندما يغادر مسؤول منصبه فتتوقف المشاريع وتختفي الملفات وتتغير الأولويات وكأن المؤسسة لم تكن مؤسسة بل كانت أحد ممتلكاته الشخصية انتقلت معه عند المغادرة.
سؤال: هل يمكن أن تتحول المكاتب الحكومية إلى مكاتب تحمل أسماء أصحابها؟
جواب: بالطبع يحدث ذلك عندما يصبح المسؤول أهم من المؤسسة وعندما تتحول الأنظمة إلى اقتراحات والتعليمات إلى آراء شخصية والقرارات إلى انعكاس لمزاج صاحب المكتب.
سؤال: هل هناك فرق بين المؤسسة والإقطاعية الشخصية؟
جواب: نعم. في المؤسسة تبقى القواعد ثابتة ويتغير الأشخاص. أما في الإقطاعية الشخصية فتتغير القواعد مع تغيرالأشخاص ويبقى النفوذ هو الثابت الوحيد.
سؤال: وكيف يبدو ذلك عملياً؟
جواب: يدخل المواطن إلى الدائرة فيُقال له: “النظام لا يسمح”. وبعد دقائق يتغير الجواب إلى: “دعنا نسأل المسؤول”. فإذا وافق المسؤول أصبح المستحيل ممكناً وإذا رفض عاد الممكن مستحيلاً. عندها لا يكون القانون هو الحاكم بل مزاج من يجلس خلف المكتب.
سؤال: كيف تتحول المؤسسة إلى اقطاعية او مزرعة خاصة؟
جواب: يبدأ الأمر عندما ينسى المسؤول أنه موظف عام مؤتمن على مؤسسة عامة ويبدأ بالتصرف وكأنه مالكها الشرعي. تصبح المكاتب أشبه بحدود إقطاعية والقرارات أشبه بمنح شخصية والخدمات أشبه بمكارم خاصة تُمنح لمن يشاء وتُمنع عمن يشاء.
سؤال : لماذا يفعل بعض المسؤولين ذلك؟
جواب: لأن المؤسسة القوية تجعل المسؤول مجرد جزء من منظومة أما المؤسسة الضعيفة فتسمح له بأن يصبح محور الكون. بعضهم لا يريد مواطناً يحصل على حقه وفق النظام بل يريد مواطناً يطرق بابه طالباً المساعدة والشفاعة والاستثناء.
سؤال: لماذا يحب بعض المسؤولين انتشار الواسطة؟
جواب: لأن الواسطة تمنحهم شعوراً بالأهمية و ترضي غرورهم. فكلما ازدادت التعقيدات ازداد عدد المحتاجين إليهم. وكلما تعثرت المعاملات ارتفعت قيمة التدخل الشخصي. وهكذا يتحول الحل إلى جزء من المشكلة وتتحول المشكلة إلى مصدر نفوذ.
سؤال: وهل الواسطة دليل قوة؟
جواب: على العكس تماماً. الواسطة هي شهادة وفاة مصغرة للكفاءة المؤسسية. ففي المؤسسة الناجحة لا يحتاج المواطن إلى واسطة لأنه يحصل على حقه تلقائياً. أما عندما تصبح الواسطة ضرورة يومية فذلك يعني أن النظام لم يعد يؤدي وظيفته كما ينبغي.
سؤال: وما المشكلة في ذلك؟
جواب: المشكلة أن المواطن يصبح محتاجاً للمسؤول بينما الأصل أن يكون محتاجاً للقانون فقط. في دولة المؤسسات تحصل على حقك لأن النظام يمنحك إياه أما في دولة الأشخاص فتحصل عليه لأن المسؤول قرر أن يمنحه لك.
سؤال: لماذا يخشى بعض المسؤولين دولة المؤسسات؟
جواب: لأن دولة المؤسسات تجعل المنصب وظيفة بينما يفضل البعض أن يبدو المنصب وكأنه لقب نبالة أو امتياز دائم أو قطعة عقارية مسجلة باسمه.
سؤال: وما هي النتيجة النهائية؟
جواب: مسؤول يشعر بأنه لا غنى عنه ومواطن يشعر بأنه لا يستطيع إنجاز شيء بدونه. الأول يستمتع بمشهد الطوابير أمام مكتبه والثاني يضيع وقته وكرامته بحثاً عن استثناء أو توقيع أو توصية. وبينهما تقف المؤسسة ضعيفة ومهمشة تتساءل: هل ما زلت مؤسسة عامة أم تحولت إلى مزرعة خاصة يديرها فلاح ماهرمارق ؟ تتضخم المكاتب وتصغر المؤسسات. تكثر الألقاب وتقل الإنجازات. يزداد عدد التواقيع وتتناقص الفاعلية. ويصبح المواطن مضطراً إلى البحث عن الأشخاص بدلاً من الاعتماد على الأنظمة.
اخيرا ما هي الاسئلة التي يجب أن نطرحها على أنفسنا؟
هل نحن حقاً دولة مؤسسات تحكمها القوانين والإجراءات؟ أم أننا مجموعة مكاتب تحمل أسماء أصحابها يتغير فيها كل شيء بمجرد تغيير اللوحة المعلقة على الباب؟ هل نحن دولة مؤسسات أم مجموعة إقطاعيات إدارية صغيرة لكل مسؤول فيها حدوده ونفوذه ورعاياه؟ هل نحن دولة قانون أم مجموعة مزارع خاصة يتصرف بعض المسؤولين فيها وكأنهم ملاك الأرض وما عليها؟ هل يحصل المواطن على حقه لأن النظام يكفله أم لأن “صاحب المزرعة” الماهر المارق قرر منحه استثناءً مؤقتاً؟ هل تُدار المؤسسات بواسطة أنظمة واضحة أم بواسطة مزاج المسؤول وحجم النفوذ الذي يملكه الزائر؟ هل يُقاس نجاح المؤسسة بعدد الخدمات التي تقدمها للمواطنين أم بعدد المنتظرين أمام أبواب المسؤول طلباً للواسطة؟
وعليه هل نريد دولة يبقى فيها النظام إذا غادر المسؤول أم مزارع إدارية ينهار كل شيء فيها بمجرد أن يغادر صاحب المكتب حاملاً معه مفاتيح النفوذ وأسرار “البركة” التي كانت تجعل المعاملات تتحرك؟
الإجابة ليست عندي بل عند كل مواطن جرب أن ينجز حقاً من حقوقه دون معرفة أحد ودون واسطة ودون البحث عن “صاحب المزرعة” المناسب. عند كل مواطن حاول أن يحصل على حقه باعتباره مواطناً لا متسول نفوذ وأن ينجز معاملته بقوة القانون لا بقوة الهاتف وأن يعبر أبواب المؤسسات دون أن يحمل معه اسم مسؤول أو بطاقة واسطة أو توصية من أحد. عند كل مواطن دخل مؤسسة عامة معتقداً أنه يتعامل مع دولة ثم اكتشف أنه يحتاج إلى معرفة صاحب الإقطاعية وكسب رضا حارس المزرعة.
إذا كانت الأسماء أهم من الأنظمة والهواتف أقوى من القوانين والنفوذ أسرع من الإجراءات فليسميها كل واحد منا بما يشاء.


