كتب : الدكتور عبدالفتاح الحايك
لم تعد مشاركة المنتخب الوطني الأردني لكرة القدم في نهائيات كأس العالم مجرد حدث رياضي عابر، بل أصبحت محطة وطنية وتاريخية تحمل أبعادًا سياسية ودبلوماسية وثقافية وإنسانية، تؤكد أن الأردن بقيادته الهاشمية وشعبه الواحد، قادر على صناعة الإنجاز والوصول إلى أكبر المحافل العالمية.
إن التأهل الأول في تاريخ الأردن إلى كأس العالم يمثل نقطة تحول في مسيرة الدولة الأردنية، فهو إنجاز يتجاوز حدود المستطيل الأخضر ليصبح نافذة عالمية يطل منها الأردن على أكثر من مئتي دولة، حيث تتجه أنظار مليارات المشاهدين إلى المنتخبات المشاركة، فتُرفع الأعلام، وتُعزف الأناشيد الوطنية، ويُذكر اسم الوطن في كل نشرات الأخبار والتحليلات الرياضية، ليحضر الأردن بكل تاريخه وهويته وإنجازاته أمام العالم.
لقد أثبتت التجارب الدولية أن الرياضة أصبحت إحدى أهم أدوات القوة الناعمة، وأن المنتخبات الوطنية باتت سفراء لأوطانها، تنقل صورتها الحضارية وتبرز ثقافتها وقيمها واستقرارها، ومن هنا فإن المنتخب الأردني لا يمثل اتحاد كرة القدم وحده، بل يمثل الدولة الأردنية بكل مؤسساتها، ويعكس صورة شعبها المعروف بالكرم والاعتدال والانتماء.
وفي هذا المشهد الوطني المشرق، يبرز الدعم الهاشمي المتواصل للرياضة والشباب، وفي مقدمة ذلك الدعم الذي يوليه جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، وسمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، والأسرة الهاشمية، الذين كانوا دائمًا الأقرب إلى النشامى حضورًا وتشجيعًا ومساندة، فهذا الدعم لم يكن يومًا بروتوكوليًا، بل رسالة واضحة بأن الرياضة الوطنية جزء من بناء الإنسان الأردني وتعزيز الهوية الوطنية وترسيخ قيم العزيمة والانتماء.
واليوم ونحن نستعد لخوض هذا الاستحقاق العالمي، فإن المسؤولية لا تقع على اللاعبين والجهاز الفني وحدهم، بل هي مسؤولية وطن بأكمله، المطلوب أن يكون الجميع خلف المنتخب بعيدًا عن المبالغة في التوقعات أو القسوة في الأحكام، فالمنتخب حقق الإنجاز الأكبر بالتأهل، وما بعد ذلك هو رحلة شرف وتمثيل مشرّف لوطن يستحق أن يفتخر به أبناؤه.
إن الأمم الكبيرة تقاس بقدرتها على الالتفاف حول رموزها الوطنية في لحظات التحدي، وليس فقط في لحظات الانتصار، لذلك فإن الوقوف خلف النشامى، سواء حققوا الفوز أو تعرضوا للخسارة، هو تعبير عن وعي وطني وحضاري، ورسالة للعالم بأن الأردنيين يقفون صفًا واحدًا خلف وطنهم ومؤسساتهم ورايتهم.
كما أن المشاركة الأردنية الأولى في كأس العالم تمثل فرصة استثنائية لتعزيز الحضور الأردني دوليًا، وتنشيط السياحة، والترويج للاستثمار، وإبراز الأمن والاستقرار الذي تنعم به المملكة، فكل مباراة ستكون مناسبة جديدة ليتردد اسم الأردن في وسائل الإعلام العالمية، وليتعرف ملايين المتابعين على وطن يمتلك تاريخًا عريقًا، وقيادة حكيمة، وشعبًا وفيًا.
إن المنتخب الوطني اليوم ليس مجرد فريق كرة قدم، بل هو عنوان للوحدة الوطنية، وصوت لكل أردني، ورسالة تؤكد أن الإنجازات تتحقق بالإيمان والعمل والإصرار، ولذلك فإن الواجب الوطني يحتم علينا أن نحول هذه المشاركة التاريخية إلى مناسبة لتعزيز التماسك الوطني، ونبذ كل خطاب سلبي، وإعلاء لغة التشجيع والثقة.
فلنرفع علم الأردن عاليًا في كل بيت وشارع ومدرج، ولنجعل من تشجيع النشامى رسالة وفاء للوطن ولقائد الوطن، ولنعكس أمام العالم الصورة الحقيقية للأردنيين؛ شعبًا يقف خلف وطنه في جميع الظروف، ويؤمن بأن الفوز الحقيقي هو أن يبقى الأردن حاضرًا، عزيزًا، موحدًا، شامخًا بين الأمم.
النشامى كتبوا صفحة جديدة في تاريخ الوطن، ويبقى دورنا جميعًا أن نحفظ هذه الصفحة بالدعم والثقة والانتماء، لأن الأردن عندما يحضر في كأس العالم، فإن الوطن بأكمله هو من يلعب، والوطن دائمًا هو المنتصر.


