كتب : وليد عبد الحي
قبل ايام قليلة ماضية تم الاعلان عن مضمون الاتفاق الامريكي الايراني بنقاطه الأربع عشرة نقطة، وتوالت ردود الفعل على الاتفاق ، وسيطر الموضوع على الاعلام الدولي المقروء والمسموع والمرئي ، لكن طرفا واحدا التزم الصمت التام وتجنب التعليق المباشر او غير المباشر على الموضوع ، انها ” تنظيمات المقاومة الفلسطينية المسلحة في غزة بشكل خاص وفلسطين بشكل عام “، بل وتجنب قيادات هذه التنظيمات التعليق سلبا أو ايجابا…رغم ان الموضوع يشكل تطورا استراتيجيا لا يمكن غض الطرف عنه، وهو أمر يستحق التأمل ، ويستحق البحث في اسبابه:
1- احتمال المفاجأة: فنظرا لطبيعة العلاقات الامريكية الايرانية المعقدة ، ونظرا لمستوى العداء بين الطرفين الامريكي والايراني ، اضافة الى ما اسميناه بدبلوماسية النرد في قرارات الرئيس الامريكي ترامب،ناهيك عن خلفيات الصراع وتزايد حدته في فترة ما قبل الاتفاق ، ونظرا للفشل عدة مرات في التوصل لاتفاق بخاصة في حمى نشاط الدبلوماسية العُمانية..كل ذلك “قد” يكون عزز الشعور لدى تنظيمات المقاومة بان احتمال الاتفاق ” ضعيف” ، لكن الاعلان شكل مفاجأة تدفعهم الى تقصي ما وراء الاتفاق قبل تحديد الموقف الرسمي.
2- احتمال عدم الرضا الفلسطيني عن الاتفاق لكن الظرف والحاجة لجمت الأطراف الفلسطينية عن التعليق، فهم الآن في امس الحاجة للحفاظ على الحد المتاح من تماسك محور المقاومة، وعليه رأى المكون الفلسطيني في المحور التزام الصمت لتجنب مزيدا من الخسارة او توسيع الشقوق في جدران المحور او تعميق الاحباط لدى جمهور المقاومة، كما ان نقد الاتفاق سيضع السلطة في ايران في موقف حرج امام شعبها،بخاصة بعد الخسائر الكبيرة البشرية والمادية التي لحقتها خلال المواجهات المتلاحقة.
3- احتمال توزيع الأدوار، فإذا كانت الولايات المتحدة تضغط على اسرائيل للالتزام بجوهر الاتفاق (وهي عضو فاعل في المحور الامريكي) ، فان على ايران ان تضبط محورها،وان النص على “خصوصية لبنان” في وقف اطلاق النار يمكن تفسيره من جانبين ،فهو الزام لامريكا بضبط اسرائيل ،ولكنه يخفي التزام ايران بالعمل على التزام حزب الله ببعض المطالب الاسرائيلية ، وهو ما يمتد الى التنظيمات الفلسطينية رغم ان قدرتها على الحركة محدودة للغاية مقارنة بحزب الله. فقد رأت المقاومة الفلسطينية-إذا قبلنا توزيع الادوار- الصمت الى حين جني ايران للمكاسب التي ستطال المقاومة اللبنانية والفلسطينية ، وهو ما يقتضي الصمت الى ذلك الحين المقرر من اطراف محور المقاومة.
4- احتمال “ليس في الامكان اكثر مما كان”، وان على المقاومة ان تقبل بالاتفاق لعله يخلق بيئة هادئة لفتح المجال امام الالتفات الى اعادة اعمار غزة وترميم جسدها السياسي والاجتماعي والاقتصادي وعلاقاتها الاقليمية والدولية، وهذا الاتفاق يخلق جوا يسمح بذلك، لا سيما ان كل قوى العالم المركزية ومعظم دول الاقليم ساندت الاتفاق واعتبرته “فرصة”، قد تفتح الباب لمساومات أوسع.
5- لعل هناك احتمال بأن المقاومة الفلسطينية تعيش مرحلة استجلاء ما وراء النص، فقد ذكرنا في مقال سابق ان هناك 14 لغما في الاتفاق، فقد تكون المقاومة الفلسطينية ترى ان تدرس الاتفاق وتبحث فيما بينها او مع ايران المعنى الدقيق لكل عبارة في الاتفاق، ثم تعلن موقفها، اي ان الامر ” دعونا نتروى” الأمر، فالصمت لا يعني القبول ولا الرفض ،وهو صمت مسموع من الجميع ، وعليهم البحث فيما وراءه.
والملاحظ ان الاهتمام الدولي انصب على تداعيات الاتفاق على اسعار النفط ومضيق هرمز والبرنامج النووي الايراني، لكن القضية الفلسطينية بقيت في مقام “الشرح على المتون” لا في المتن نفسه، فإذا كان العالم لديه ما يهمه غير فلسطين،فهذا امر مفهوم ومرجح، ولكن الصمت الفلسطيني يخفي “موقفا” من قضيته المركزية.
يترتب على كل ما سبق سيناريوهات عدة، يمكن تلمسها على النحو التالي:
أ- شعور بأن الاتفاق لصالح ايران اكثر منه لصالح اسرائيل والولايات المتحدة، وهو ما يستوجب ” الصمت علامة الرضا”، ولا بد لتنظيمات المقاومة ان تعطي فرصة لايران لاعادة ترتيب اوضاعها الداخلية والاقليمية والدولية لتعود “لنا اقوى” وفي هذا مكسب لمحور المقاومة ،فالموقف ما هو سلوك تكتيكي لحصاد استراتيجي مأمول.
ب- احتمال ان تكون هناك اتجاهات تتبلور في ايران لاستمرار الدعم لمحور المقاومة ولكن بقدر اقل من المراحل السابقة ، وقد تتزايد هذه النزعة بخاصة إذا شعر المجتمع الايراني بحجم المكاسب المادية من الاتفاق ، أي ان رفع العقوبات ودفع التعويضات والمساهمة في اعادة الاعمار في ايران يغوي على ” التروي الايراني” في استمرار الدعم لمحور المقاومة بالمستوى السابق، وهو ما قد تراه اسرائيل مكسبا.
ج- هناك من يراهن ان ايران بعد فترة كافية من التعافي ستعود لمساندة المقاومة وبقوة اكبر ، بخاصة بعد ان تستعيد خسائرها وتتقاضى رسوما وتعويضات ومساهمات بل وربما “رشوات دولية” .
المستقبل:
اظن ان على المراقب ان يركز في الايام والاسابيع القادمة على :
1- خطابات المرشد الاعلى مجتبى خامنئي لانها قد تشير للتوجه العام المستقبلي
2- اية تصريحات او بيانات من قيادات او تنظيمات المحور
3- اعتبار ايام التفاوض الستين القادمة والمنصوص عليها في الاتفاق هي المؤشر الرئيسي،وهنا قد يتم :
أ- الاتفاق خلال الستين يوما او حتى قبلها
ب- التمديد للمفاوضات لمرة او أكثر
ت- اعلان اتفاقات جزئية –حول موضوعات معينة- والاستمرار في النقاش حول بقية الموضوعات مما يجعل التمديد لفترة التفاوض مطلوبا
ث- فشل المفاوضات واعلان وقفها.
ج- احتمال ان تحلق “البجعة السوداء” بخاصة في فضاء كفضاء الشرق الاوسط.
في ظل كل هذه الظروف، يكون الصمت مسموعا تماما..ربما.


