كتب الدكتور عبد الفتاح الحايك
في كل عام ومع إطلالة عيد العمال العالمي، تتجدد الأسئلة التي لا يجوز أن تبقى مؤجلة، ليس عن
عدد الوظائف فقط بل عن جوهرها؛ هل يعمل كل عامل في موقعه الطبيعي؟ وهل تتناسب
المسؤوليات مع الكفاءة والخبرة؟ أم أن جزءًا من المشهد ما زال تحكمه المصادفات والاجتهادات
الخاطئة؟
اقتصاد وطني
السؤال صريح، والإجابة عليه أكثر صراحة: إن كان كل عامل في مكانه الصحيح، فنحن أمام منظومة
ناضجة تقود إلى إنتاجية عالية، ومؤسسات قادرة على تنفيذ خططها بكفاءة، واقتصاد وطني يسير
بثقة نحو النمو.
أما إن كانت الإجابة “لا”، فالمشكلة ليست تفصيلًا إداريًا عابرًا، بل خللًا بنيويًا ينعكس على كل
شيء؛ من جودة الخدمات، إلى ثقة المواطن، وصولًا إلى كلفة التشغيل التي تثقل كاهل الموازنات
دون مردود حقيقي.
المعادلة هنا بسيطة لكنها حاسمة:
كفاءة في غير موقعها تساوي طاقة مهدورة
وموقع بلا كفاءة يساوي عبء مستمر،
في الحالة الأولى نخسر الإبداع، وفي الثانية نخسر المال العام، وفي كلتا الحالتين يخسر الوطن
فرصته في التقدم، وهذا ما يجعل من العدالة المهنية لا العدالة الشكلية قضية وطنية بامتياز.
لا يمكن لأي مؤسسة، حكومية كانت أو خاصة أن تنجح بخطط استراتيجية على الورق فقط لأن
النجاح يبدأ من الإنسان المناسب في المكان المناسب، فالمهندس الذي يُبعد عن تخصصه،
والمعلم الذي لا يُستثمر علمه، والإداري الذي يتقدم دون تأهيل حقيقي، كلهم ضحايا منظومة لم
تكتمل بعد، لكنها أيضًا تُنتج ضحايا آخرين وهم مواطن ينتظر خدمة أفضل، واقتصاد ينتظر كفاءة
أعلى.
التحدي ليس في نقص الكفاءات
الواقع يفرض علينا أن نعترف بأن التحدي ليس في نقص الكفاءات، بل في كيفية إدارتها وتوجيهها، فالأردن غني بعقول أبنائه ولدينا طاقات شابة وخبرات متراكمة ومؤهلات علمية لكافة المجالات والتخصصات، لكن الفجوة تظهر حين لا تُستثمر هذه الإمكانات بالشكل الصحيح.
وهنا لا يكون الحل بالشعارات، بل بخطوات عملية واضحة وهي:
إعادة تقييم شاملة للموارد البشرية وفق معايير الكفاءة لا الأقدمية فقط، وربط التعيين والترقية بالأداء الحقيقي القابل للقياس، وأيضا بناء مسارات مهنية تضمن تطور العامل ضمن اختصاصه لا خارجه، وتعزيز ثقافة المساءلة الايجابية التي تكافئ الإنجاز وتصحح الخلل.
في الأردن، حيث التحديات الاقتصادية حاضرة، يصبح حسن استثمار الكفاءات ليس خيارًا، بل ضرورة وطنية، فكل دينار يُنفق في غير مكانه الصحيح هو فرصة ضائعة، وكل كفاءة مُهمشة هي مشروع نجاح مؤجل.
عيد العمال ليس فقط مناسبة للاحتفاء، بل محطة للمراجعة الصادقة، فالعامل الأردني أثبت عبر عقود أنه قادر على الإنجاز داخل الوطن وخارجه حين تتوفر له البيئة المناسبة، والسؤال اليوم هل نوفر له هذه البيئة فعلًا؟
الجواب يجب أن يكون فعلًا لا قولًا،
فحين يجد كل عامل مكانه لا ينجح وحده… بل ينهض وطن بأكمله.
اقرأ أيضًا :
- الانتخابات وخجل المواطنين… بين المجاملة وحسن الاختيار”
- العمل: 491 مخالفة بحق شركة ألبان ومتابعة 47 شكوى تتعلق بتأخير الأجور
العمل كرامة وعدالة وطنية …. العمل كرامة وعدالة وطنية


