الدكتور محمد الحناقطة الحميدات
في حارة كل من ايدو الو الجميع لا يستحي من الجميع ولا حتى من مختار هذه الحارة. في هذه الحارة ظهر الفساد بشكل صارخ لا مثيل له واتخذ أنماطًا متعددة تتداخل فيما بينها. فظهر الفساد الاداري والاقتصادي والاجتماعي وغير ذلك من الانماط . في هذه الحارة بداءت انماط الفساد تتغذى على عوامل مشتركة مثل ضعف المؤسسات وغياب الشفافية وانخفاض مستوى المساءلة وانتشار الفقر والبطالة(مبتدئ الحوكمة الرشيدة). ومع مرور الوقت بداء الفساد يتحول من ظاهرة فردية إلى نظام متكامل يصعب تفكيكه ما لم تتوفر إرادة حقيقية وإصلاحات مؤسسية عميقة.
في هذه الحارة وصل الأمر إلى مرحلة بداء فيها الفاسدون بممارسة الفساد وكأنهم غير مرئيين ودون خجل لا من رأس الحارة ولا من المجتمع. وذلك لاحساسهم بالأمان من العقاب ولادراكهم أن المساءلة ضعيفة أو انتقائية وأن القوانين لا تُطبّق بعدالة فبداء خوفهم يتلاشى تدريجيًا. ومع الوقت بداء الفساد عندهم يتحول من فعل سري إلى ممارسة شبه علنية.
أن غياب الخجل هنا ليس مسألة نفسية بقدر ما هو نتيجة بيئة تقل فيها كلفة الفساد وتضعف فيها هيبة المساءلة. يبدو أن الفاسدين قد طوّروا فلسفة خاصة بهم فهم لا يرون أنفسهم مخالفين للقانون بل مبدعين في تفسيره ولا يعتبرون ما يأخذونه سرقة بل…… إعادة توزيع للثروة… باتجاه واحد فقط. أما الخجل فقد تم الاستغناء عنه كليًا باعتباره عبئًا إداريًا غير ضروري شأنه شأن الشفافية والمساءلة. ولعل أكثر ما يثير الإعجاب في إنجازاتهم هو قدرتهم العجيبة على العمل تحت أي ظرف. يزدهرون في الأزمات ويتأقلمون مع القوانين بل ويحوّلون الرقابة نفسها إلى إجراء شكلي يُضاف إلى قائمة الديكور المؤسسي. وإذا سُئل أحدهم عن ضميره فالإجابة جاهزة ….في إجازة طويلة… مدفوعة من المال العام. باختصار الفاسد في هذه الحالة لم يعد يخشى القانون ولا يستحي من المجتمع ولا من المختار لأنه ببساطة تعلم أن يسير عكس الاتجاه… دون أن يتلقى حتى مخالفة.
و السؤال هنا مالذي دفع افراد هذه الحارة إلى الفساد؟
الجواب ليس سببًا واحدًا بل مزيج من الاسباب: اولا دوافع شخصية وظروف مؤسسية وثقافية وازمة اخلاقية تفتح الباب وتقلّل كلفة المخاطرة. ثانيا ضعف الردع فعندما تكون العقوبات نادرة أو غير حاسمة أو يسهل الالتفاف عليها يقلّ الخوف من العواقب فالفساد يزدهر حيث احتمال العقاب منخفض.
ثالثًا ثقافة التطبيع: إذا أصبح الفساد سلوكًا شائعًا (“الجميع يفعل ذلك”) يتحول من فعل مستهجن إلى ممارسة مقبولة اجتماعيًا فينخفض الحاجز الأخلاقي لدى الأفراد.
رابعًا الضغوط الاجتماعية مثل المحسوبية والواسطة وضغوط العائلة والقبيلة قد تدفع الفرد لاستخدام نفوذه لخدمة الاقربون حتى على حساب القواعد.
خامسًا عدم العدالة والشعور بالإقصاء فعندما يشعر الأفراد بأن النظام غير عادل أو أن الفرص لا تُوزَّع بالتساوي قد يبررون الفساد كتعويض أو استرداد حق .اخيرا وليس اخرا ضعف القيم المهنية فغياب التدريب على النزاهة وغياب القدوة داخل المؤسسات يسهّلان الانزلاق إلى سلوكيات فاسدة.
في النهاية الفساد ليس مجرد قرار فردي بل نتيجة تفاعل بين دوافع شخصية وبيئة تسمح وتغري وتُفلت من العقاب. تقليصه يتطلب تقليل الفرص ورفع كلفة المخاطرة وتعزيز القيم وربطًا صارمًا بين توجيهات القمة وآليات التنفيذ وتطبيقًا متساويًا للقانون وتفكيك شبكات الحماية وتعزيز الشفافية بحيث يصبح أي سلوك منحرف مكشوفًا ومكلفًا.


